
سرنا معًا متلاصقين تحفنا مظلة واقيّة من المطر يحركها تيار هواء قوي نسبيًا راح يُداعب شعر نرجس وهي حائرة بين الإمساك بالمظلة والحفاظ على خصلاتها، بدت في هذا الطقس البارد برذاذه وهوائه المسافة حتى نقطة وقوف السيارة كأنها بعيدة بعد الأرض عن السماء، انتزعتُ من يدها المظلة لأترك لها فرصة الاهتمام بخصلات شعرها البني اللامع وهو يتطاير بنعومةٍ في الهواء، تأمّلتُها بدقةٍ وعن قرب من وجهها المتورِّد حمرة فيما كانت تمشي إلى الهُوينا كتمثال أفروديت ذروة جماليّة أخاذة تقطر سحرًا من عينيها وتثير شبقًا نسمتها ومن كل حركة تنتئ عن جسدها الزلالي بأريجه الخلاب. حتى أنّني لم أُصدق بالمطلق أنها ملكي بأيّ وقت بالكيفيّة التي تُشبع غريزتي وقد انفجَرت بتلك اللحظة ونحن نبلغ سيارة الأجرة ونوشك أن نقتحمها. لم يخطر ببالي ساعتها سوى مضاجعتها كما فعلتُ أول مرة التقيت بها عارية، منذ يومها وأنا لم أعد أذكُّر الآن وبهذه اللحظة التي يبلّلنا المطر وتحيق بنا رائحة الأشجار المُحيطة سوى صورتيّ عفاف وفرح وصخب.
“لم ترد على سؤالي بعد، هل تُحبها؟”
خطر ببالي أنّني شفيت مؤقتًا من الورم العاهر…أجبتُها وفي نيتي أن أكون صريحًا، مرّرنا بطريقنا للفندق بقنالٍ مائي، مضطرب الموج على نهر الراين، تنساب عبرهُ عددٌ من قوارب وسفن وحركة الأشجار على الجهتين تعاكسها رياح باردة. نظرت في عيني نرجس بشهوةٍ مفضوحة لم تخفِ عليها أنها تشي عن ارتياح بعد موجات التوتر والقلق والانتظار…أجبتُها بلهفةٍ ووله:
“بل أحبكِ أنتِ نرجس ياسين وإلى الأبد فيما تبقى لي من وقتٍ”!!!
بلغنا شهر كانون الثاني، بدأت السماء بيضاء ناصعة، فجأة لمحنا فوقنا قبل بلوغ عتبة الفندق ندف الثلج تهديها السماء، شعرنا بأنّنا نُولد من شرفةِ سماء دوسلدلوف:
“ليتني أعود الآن إلى عفاف وأخبرها ولو بعد حين بندف الثلج التي كانت تنتظرها منذ سنوات.
قلت ذلك بالوقت الذي همَّت فيه نرجس بفتحِ مظلتها الشفافة، أمسكتُها من يدها ومنعتها من ذلك، تركتُ قطن السماء المُزخرَف يبلّلنا. همسَت نرجس في أذني بنغمةٍ موسيقيّة:
“غدًا أو بعدهُ ستشاركنا عفاف وفرح”!!!
“ويبقى الحبُّ حبًا …رغم كل عواصف الحياة”
“ستبقى غربة الأوطان ملاذًا في المنفى”
