أحمد جمعة

صرعة الذكاء الاصطناعي في طريقها لتدمير الحضارة الإنسانية، بدلاً من تطويرها، بالطبع لا يعني ذلك توقُّف العالم عن الإبداع والانجاز. ولكن سعي الذين يريدون الدمار سوف تزدهر حظوظهم بوجود عالم سحري، نتاج العمل والتكنولوجيا يمنح الفرصة للتدمير. فقد نستفيق ذات يوم ونفاجئ بكتاب وفنانين يفوقون في الإبداع بتهوفن وتشايكوفسكي وموزارت وفوكنر في الموسيقي، وقد نكتشف بعد كل هذه العقود من يتفوق على تولستوي وتشيخوف وهيمنجواي. ولعلنا نكتشف مفكرون وفلاسفة يتفوقون على نيتشة وهيديجر وهيغل وماركس من خلال أبسط الطُرق المؤدية لهذه العوالم وبأقل جهد، وربما من أفراد حالفهم الحظ فوجدوا أنفسهم في قائمة رموز العالم في القرون الماضية الذين أبدعوا تلك النتاجات بعد أن فقدوا ذاكرتهم واستنزفوا أرواحهم حتى يقدموا للبشرية ثمرة عقولهم. وعلى هذا المستوى قد يظهر فجأة من يتفوق على بيكاسو في الرسم ويشمل ذلك عوالم عدة على إمداد الكرة الأرضة، في موجات من الفنون والآداب والثقافات والفكر والفلسفة. هذه الطفرة ليست وليدة الشيطان أو خيال جامح. بل هي وليدة شيطان أعظم إن لم نسيطر عليه فقد يدمر حضارة البشرية في كبسة زر.
شعرت فجأة وأنا أقرأ تحقيق ومقالة في جريدة الشرق الأوسط فضيحة الكاتبة البولندية ألغا توكارتشوك التي فازت بجائزة نوبل في العام 2018 مستعينة في ذلك بالذكاء الاصطناعي. جاء ذلك في جريدة الشرق الأوسط الصادرة في لندن اليوم الأحد 7-6- 2026 ورشح لسحب الجائزة منها. صدمة هالة ليس لجائزة نوبل ولا للعالم، بل للإنسان كيف بلغ هذا الحدّ في لعبة الذكاء الاصطناعي التي وضعت كل تراث العالم القديم والمعاصر وكل ما أنبتته البشرية من انجاز حضاري في كفّة واحدة مقابل الكفّة الأخرى من الميزان. يصبح تولستوي بمستوى واحد مع أيّ متطفل ينشر رواية قد تُرشح لجائزة ويحتفي بها العالم. ما هو شعور تولستوي لو آمنا بالأرواح؟ هناك ولا شك خلل في الكرة الأرضية نتج عن التطور الشيطاني الذي لا يلغي جانبه الحضاري ولكنهُ أفسح المكان ومنح الفرصة لخيانة الإبداع وتدمير منجزات العظماء. فالفضيحة التي أثارتها الكاتبة البولندية ألغا توكارتشوك والتي هزت الأوسط الثقافية، قد يستمر ردّ فعل العالم بضعة أيام وينتهي السخط وربما يُنسى ولكن ماذا عن الآتي؟ كيف سيثق العالم بعد ذلك في نتاجه العلمي والثقافي؟ كيف ستكون العقود القادمة إذا ما حلّ الذكاء الاصطناعي على الكوكب وصار الملايين من البشر كتاب وفنانين وعلماء وفلاسفة بينما هم في الحقيقة مجرّد مسوخ وقراصنة في كل مجالات الحياة.
فبحسب ما جاء في الشرق الأوسط نقلاً عن الأوساط العالمية حول ما أثارته تصريحات الكاتبة البولندية وجائزتها النوبل، ورد ذلك حول اعترافها بعد كشفها:
“أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على «جائزة نوبل» لعام 2018، موجة من الغضب بعد تصريح لها، خلال مشاركتها في «مؤتمر إمباكت 26» في مدينة بوزنان، الشهر الماضي، اعترفت خلاله أنها استخدمت الذكاء الاصطناعي، لإتمام بعض المهمات في كتابة روايتها الأخيرة. وصل السخط في البعض إلى حدّ المطالبة بسحب الجائزة العالمية من الأديبة. قالت توكارتشوك إنها اشتركت في نموذج متقدم للذكاء الاصطناعي، وانبهرت من النتائج التي حصلت عليها، ووصفتهُ بأنه «يوسّع الآفاق ويعمق التفكير الإبداعي.
وللحصول على صورة أوسع حتى لا يتوقف السخط عند هذا الحدّ فقد شرح المقال الطويل وحيثياته ما يمكن اعتباره فضيحة للعالم وللثقافة ولنوبل وللناشر والقارئ وكل من كتب ونشر وروّج للكاتبة، سوف يشعر اليوم بالعار مع نفسه، صحيح لا ذنب لكل هؤلاء ولكن الشعور بالخيانة سوف يطال الجميع.
******






