منع رواية “شتاء المنافي” منع رواية …منحها مزيدًا من الأمّل

حظر كتاب من التوزيع، كحظر الأكسجين في المحيط. الدول التي تتغاضى عن انتشار المخدرات، وتغض الطرف عن مروجي هذه المادة المخدرة، هي والدين للشعوب. وتطارد رواية هنا ورواية هناك، هذه الدول تريد للشعوب أن تبقى في حظيرة القطيع.

الكاتب الذي تحاصرهُ سنوات من العزلة، كالسجين المخملي والراهب في محراب البحث والتنقيب، وملاحقة الحوادث والأخبار. ثلاث سنوات عزلة لتولد بعدها من رحم الألم والعذاب الثقافي رواية تتنسم الحرية، وتبث الأمل في الأفق، وتلعن الظلام. في ساعة واحدة، وبجرّة قلم أحمر، يتمّ منعها من التوزيع. حكم بالإعدام للكاتب، لا يختلف عن أحكام الإعدام في المشانق والرمي بالرصاص. هذه المبالغة التي يراها القارئ من منظوره الضيق، ويمرّ عليها بسلام، ويراها الجلاد الرقابي من منظوره الوظيفي حماية للنظام، ويراها النظام من حقه للبقاء، وهو منظور مبالغ فيه، فرواية لا تسقط نظام. هي بالنسبة للكاتب الذي زرع حقلهُ بالأمّل طوال سنوات من أجل رواية. حكم خرافي في زمن الذكاء الصناعي والانفتاح الفضائي.

الكاتب في هذا الزمن وإن حُرم من جنّي ثمارهُ، وأُغرق جهد وإبداعه في فرن الحريق الذي عرفتهُ قرون الظلام الأوروبي، واشتهرت به عصور الحكم الكنيسي الغابرة، إلا أن هذه الأفران المتقدة على مدى العام، بانتظار صيدها للحروف والكلمات والورق، في دولنا العربية، لا يمكنها منع هذه الروايات من التحليق والسفر عبر الحدود والتسلّل والنفاذ بشتى وسائل العصر الخيالية. الفكر لا تحدهُ أسوار ولا تحاصرهُ حيطان، ولا تصدهُ مصائد. إنهُ أوكسجين منتشر في الفضاء، يتحدى الدول ورقابتها متعدّدة الذرائع التي عفّى عليها زمن المنع والحظر، الذي اشتهرت به عصور الظلام.

عالمنا مفتوح وإن ترصدهُ جلاد الكتاب، والوسائل المتاحة، تعبر الحواجز وتهجر المكتبات التي تبيع الكتب منتحرة، بلا هواء تتنفّس منهُ. مكتبات مهجورة، بلا قراء، بلا، حرارة، ومصيرها الإغلاق كما حدث للكثير منها. وتظلّ الرواية منتشرة خارج هذه المكتبات التي ظنّت رقابات الدول أنها حاصرت الروايات.

أنا سعيد وابتسم لأنّني استطعت التحليق خارج السرب برواياتي الممنوعة.

العبيد الذين تحرروا بثمن حياتهم

عن رواية “شتاء المنافي”

شخصيات ضوئيّة، غرائبية، الرواية تروي عوالم ذاتيّة وموضوعية غريبة تشيء عن حيوات متناقضة داخل كل شخصية، فتبدو خرافيّة مع أنها نبتت في الواقع الراهن الذي وُلد من رحم الماضي السحيق، الذي يعود لعصر تجارة الرقّ، عندما وصلت سفن وقوارب تجار تهريب الرقّ موانئ وسواحل الخليج، تغرُّف الأطفال والنساء والرجال، ليقوم متاجرون محليون واستعماريون متخفين، بتوزيعهم كرقّ. فكان هناك الجدّ سالم الحلو، جاء شابًا مع غرباء سرعان ما تحولوا لأجداد وآباء، يباع ويُشترى فيهم، حتى يستقر أحدهم بدار وجيه من الوجهاء حينها.

 هناك هنيدة الطفلة التائهة التي اكتشفت نفسها، بلا أرض، ولا سماء، دون أسرة أو ذكريات، في عالمٍ غريب، سرعان ما تنخرط مع غيرها في العمل كخادمة وهي ما زالت طفلة، ليتكوَن عبر هاتين الشخصيتين عالم جديد، يشهد تناسل أبناء وأحفاد منسلخين عن واقع الحياة اليومي المُترع بتفاصيله وبالترهات. واقع شخصيات كصباح فضل بن علي، وفرج سالم الحلو مع جده سالم والوجيه راشد بن خميس. هذه الشخصيات تشكل هي ذاتها سببًا في نشوء أسرة متفرِّعة، وفي الوقت ذاته متطاحنة، مكونة نسيجًا من التائهين الذين يبحثون عن ذواتهم ضمن دولاب الضياع والألم والذل. فهم أنفسهم باعثًا في تدمير حياتهم، يبرز التفاوت في سوء الفهم بينهم بعضهم بعضًا من جهة، ومن جهة أخرى العالم الضبابي، لتبدو الحياة في ومضةٍ أقل هيمنة من التناقض الذي ينقض عليهم جميعًا ويجسد بمرارةٍ عذاباتهم وهم يحملون داخل رؤوسهم ذكريات عبوديتهم من قاع عالم الرقّ، الذي خرجوا منهُ ونالوا حيرتهم بدلاً من حريتهم، فليس شرط أن تتحرّر من السيد حتى تضحى حرًا.

 هذا ما توصلت له شقيقتهم الصغرى نسيمة، عندما لم يفهموا كيف يفكوا قيودهم الداخلية، كما هو حال الآباء والأجداد والأجيال التاليّة باستثناء نسيمة التي تمكنّت من فكِّ قيودها، لأنها تمرّدت وتحرّرت نتيجة خطيئة تبدو في عيون واجهة المجتمع خطيئة كبرى لا تغتفر. تلك هي حقيقة أزمة فهم العقل البشري وعجزهِ في ذات الأفق عن إدراك مغزى ما جرى، فهذه الأسرة قاطبة تعيش داخل فرد منها أكثر من شخصية، تبرز كلّ ذات منها بشكل مستقل عن الآخر في مواقف حاسمة من الحياة، تبرز أكثر من شخصية في ذات الوقت، ضمن تعقيد متعقد ومتمرِّد على الفهم. كنسيمة الابنة المشكوك في نسبها. وصباح عضو المحكمة الدستورية، الذي تقلّب على الواقع كما على الجمر، وتغلَّب عليه، ورفض الولاء الأعمى، تعاسة الوقائع المُتشابك والأزمات، كانت سببًا في تغيير الواقع من راكدٍ إلى مُتحرك. كما شكّل حافزًا في إيقاظ الحبّ النائم كالفراخ في الضباب، وقاد لومضاتٍ وطفراتٍ من السلام الداخلي مع الذات…بعد تَحطُّم الأحلام الكبيرة على صخرة المنافي الشتائية والإقصاء..

من رواية “شتاء المنافي” شجرة الزمن والحبّ

حلّت الليلة الأخيرة من العام 1998، كانت الساعة تدنو من الثانية عشرة، والهدوء عمّ الأرواح المتألمة، الحزينة، أسيرة الانتظار في الخارج الفضائي. عمَّت الضوضاء، واختلطت فيها ألوان الفرح والاحتفالات والزينات، مع الاكتئاب والرتابة، والشعور بالضجر. في زحمة الليلة، انتشى البعض وقد فاض بهم الحماس لاستقبال العام 1999، السنة الأخيرة من الألفيّة الثانية، أما أولئك الذين لا تمثِّل لهم الساعات القادمة سوى وقتٍ مستقطعٍ من العام الذي قبله، فليسوا في هذا الحماس، ما يُنبئ عن تغييرات بالأفق الغامض. تُرى أيّ تغيير سيتدلّى عنقوده من شجرة الزمن؟ وأيّ سنة منتظرة؟ كان شهر رمضان متعارضًا مع هذه المظاهر من الاحتفالات بالسنة الجديدة، وكان الشتاء خرافيًا، والبرد والمطر والنقوش والنجوم والغيوم المتخفيّة بأوهامها، جعلت من الليلة الرمضانية، ليلةً ربانيةً، وللبعض الآخر، ليلةً عاريةً تستعد للرقص. أما أولئك المتألمون، فلم يبالوا بهذه الليلة، ولا بتلك، فقد اعتزلوا، وانتظروا بآمالٍ لا تخلو من خيبات الأمّل، ومن التغييرات الآتية من هذه الليلة وما يليها. في مستشفى الإرسالية الأمريكية، التأم شمل أسرة بدأت تتشكَّل للتوّ. تُنْسَج من نسيمة الحلو، وفوزية، وابنها سالم، ومبارك وزوجته، وطفليه، سلمان ولطيفة، ومن أحمد وزينب، والطفلة فاطمة، تجمعوا في هذه الليلة الشتائيّة، التي عاود فيها المطر للهطول، على مائدة فاطمة، آملين أن تُكرمهم الحياة بنجاتها، لتكون نواة هذه الأسرة. زادُهم في هذه الليلة ذكرياتُ مسلم الحلو، وابنه فرج الحلو، وصباح فضل بن علي، وهنيدة.

أما خارج جدران المستشفى، فقد لاحت الليلة أرجوانية، وما زالت، رغم كل الأمطار والغيوم والغموض وأنفاس الأفق، الذي ظلَّ طيلة العام المنصرم محتقنًا ومشحونًا بالإرهاصات، يشي في هذه الساعة عن ثورةٍ ذات طبيعة مزدوجة، تُطغى عليها التغييرات الجذرية، ويظلّ اللون الأرجوانيّ يصبغ بوابة الأفق الآتي.

Mario Vitale” is available in English translation

Mario Vitale” is available in English translation and will be featured at the Paris Book Festival on April 17, 18, and 19, 2026. Tea with Mario Vitale By Ahmed Juma . Translated by:

  Mona Ahmad Ebrahim 

 An orange, cube-shaped sun explodes in the sky. Purple cosmic dust descends upon the earth, scorching the skin of the living. Governments collapse. Prayers rise to a deafening heaven. And in the paralyzed streets of Milan, the ghosts of the past return to claim their due. Ahmed Al-Qarmzi wanders this catastrophic world with a certainty that grips him: his tormentor is here. Somewhere in this dying city, Colonel Ghazi Fallah hides, unaware that his victim has been stalking him for months. Exiled and broken by years of imprisonment and torture, Ahmed fled Bahrain to rebuild his life. But how can one live when the tormentor breathes the same air? In the refugee center, destinies intertwine like a terrible prophecy. Lilaf Saeed, a Kurdish refugee traumatized by the Turkish invasion of Afrin, recognizes the officer who tortured her on the streets. Mario Vitale, a racist Italian turned unlikely friend, hides behind his cruelty the scars of a life marked by violence. Sofia, his enigmatic Polish companion nicknamed “The Acid Lady,” secretly plots her revenge. And everyone watches as the sky turns orange, sensing that something immense and irreversible is unfolding before their eyes. As cosmic dust triggers a deadly rash across the globe, a woman appears out of nowhere: Maya Saoud, the mysterious CEO of a global empire, who seems to have foreseen this catastrophe. She has read Ahmed’s articles predicting the end of the world. She wants to meet him. But why would this woman of absolute power care about a writer in exile on the brink of disaster? Maya Saoud, the enigmatic CEO of a global empire, who seems to have foreseen this catastrophe. I’ve read Ahmed’s articles predicting the end of the world. I want to meet him

“ابنة هوى” ثمرة الفصل الأخير من الحياة

رواية أحمد جمعة

صادرة عن دار اسكرايب للنشر والتوزيع

من الرواية

تدور الرواية المعذبون الحياة التي نبذتهم في البداية ثم رمتهم على أطرافها إلى وجدوا مرفأ السلام فأرادوا الاستقرار فيه حتى قذفتهم من جديد…

تروي عن القلبُ الذي لا يهمس بالحبّ يموت صاحبه وهو حيٌ ولا يعرف الحياة، أدركتُ هذه الحقيقة الفلسفيّة البسيطة بغريزة المُحب، والتي لا تحتاج لمنطقٍ سوى فهم إنساني وغفران وتسامُح مهما كان حجم الخطيئة التي قد لا تمحوها صلاة ولا تنسيك إياها الكهولة، ولا تسقط بتقادم الزمن ولا حتى بعد الموت، فقط الحبّ وحدهُ يمحو أيّ خطيئة.

“المعاناة لسنينٍ غابرة، “والركض وألهث مثل كلبة، أتطلّع لرؤيتها ولو مرّةً بحياتي لكني خشيت غضبك ونبذك وتقع هي ضحيّة سخطك عليّ فآثرت أن أدعها بحضنك كل هذه المدّة، هذا عذابي الأزلي، تُرى هل ذقت أنت مرارته لمدة دقيقة فقط إن كنت تحتمل ما تكبّدتُ أنا العمر كله؟”

رمقتني بنظرةٍ سئِمة لعلّ من شيءٍ ما يؤلمها، فقد كانت تعتصر الكلمات وهي توبخني بعذاباتِها حتى دنَت مني أكثر، تضيق شرايين نحرها ورقبتها وقالت:

“تحقد عليّ لأني خدعتك وأوقعتُك في هذا الجحيم الذي لم تعبرهُ من قبل ولم تمضِ عليه دقائق وقد انطفأ بريقك واِمتُصّ لونك؟”

المرفأ الأخير هو الإصابة بسرطان في وقت اكتشفا فيها ابنة كانت ثمرة علاقة هوى لتبدأ معها رحلة عذاب أخرى.

مكان جميل للكتابة

اخترت:

من عدد مارس/أبريل 2026 من مجلة الشعراء والكتاب

في نهاية الشارع، أعلى التلة حيث أسكن، يمتد رصيفٌ لم أكن أسلكه إلا نادرًا، رغم سكني بالقرب منه لأكثر من عقد، حتى قبل أقل من عام، حين بدأتُ، بعد خضوعي لجراحة دمج الفقرات، أقطع جزءًا كبيرًا منه سيرًا على الأقدام، أتتبع مساره مرارًا وتكرارًا كل يوم، ببطءٍ شديد، وبوعيٍ تام، حتى أصبحت ملامحه وشقوقه وحوافه وتجاويفه مألوفةً لي كخطوط وندوب يديّ – وما تحمله من ذكريات. في البداية، فكرتُ جديًا في شراء النسخة المدفوعة من تطبيق عداد الخطوات الذي ثبّتُه على هاتفي لتتبع خطواتي وتحفيز نفسي خلال فترة التعافي، متخيلًا خريطة مساري المألوفة التي كان سيُظهرها لي، كأخدودٍ عميقٍ حفرته خطواتي في الأرض مرارًا وتكرارًا، تتخلله معالم صغيرة لا يعرفها سواي. الحافة التي توقفتُ عندها لأمدد ساقيّ المتعبتين من الصدمة؛ عمود الكهرباء الذي حط عليه صقر أحمر الذيل في ضوء الفجر الخافت؛ البقعة على الخرسانة حيث صادفتُ فتاةً تحرق دفتر ملاحظاتها في ظهيرةٍ وحيدة (ابتسامتها وأنا أمرّ)؛ الفجوة في السياج المطل على ملعب كرة القدم بالمدرسة الثانوية التي حدّقتُ فيها لساعاتٍ محاولًا استيعاب وفاة أمي، وأنا أكتب رثاءها، وأردد السطور نفسها مرارًا وتكرارًا، راسخًا في ذهني نمطًا مختلفًا. هذه هي الخرائط التي نحملها معنا، رسّامو خرائط هواة للعوالم الداخلية الشاسعة.

تكتب ناتالي باكوبولوس في كتابها “طمس الحدود في الأدب: حول رسم الخرائط والتسمية، وإلغاء رسم الخرائط وإلغاء التسمية”، عن استخدامها خرائط أثينا أثناء كتابة روايتيها الأوليين: “ساعدتني الخرائط في تخيّل جغرافيا نفسية خيالية للشخصيات التي ابتكرتها على الورق”. لكن التفكير في تحويل عالمٍ مُتخيَّل إلى مكانٍ حقيقي، أو حتى رسم خريطة، ليس إلا طريقةً واحدةً للتفكير في العيش في عوالم خيالية. فالخرائط، في نهاية المطاف، لا تروي إلا نوعًا واحدًا من القصص. في هذا العدد، نرسم وجهاتٍ ذات مغزى، موجودة في العالم المادي – كوخ في بحيرة والووا، أوريغون؛ واستوديو كتابة في بانر، وايومنغ؛ وغيرها من الأماكن المذكورة في “الأماكن التي تجعل الأمر ممكنًا: ملاذات تُغيِّر حياة الكُتَّاب” – وفي فضاءاتٍ أكثر روحانية. تكتب سالي وين ماو: “هذه الأماكن مادية ونفسية في آنٍ واحد، أماكنٌ تُقاوم فيها الكتابة، والتذكُّر، والحلم، فيضًا من الأحاسيس الجديدة”. سواءً أكنتَ تكتب من داخل روتين الحياة اليومية المألوف، أو تتجه إلى آفاقٍ مجهولة، فقد تُغذي هذه الصفحات.