
الخريف هو الحياة، هو البداية، الحياة كتاب، والكتاب في الأصل رواية، إذن الحياة رواية، نسيج يحيك خيوط الحياة بتوليدٍ متناقض، غُزِلَت خيوطه بقصدِ الإبهار، إنها اللوحة أو اللقطة، وأحيانًا الصورة، يتشكّل العالم منها، وسرعان ما تذوب للوحات ولقطات، لصورٍ أخرى جزئية، فتتحول المخلوقات روايات، إلى خلافِ ما هي عليه، أرى ذلك في كل فصل خريف انتهي وأبدأ بذات الوقت عند عتبة الرواية، رواية تلي رواية.
الخريف يرمز في غفلةٍ بعيون من لا يقرأ الحياة ولا يقرأ كتاب، رمزًا للموت والذبول والأفول، إذ تذوي في نظر المرئي الكسول، إلى أشياءٍ سطحية، وتأفل، وهي نظرة قاصرة مستمدّة من تساقط أوراق الشجر ويباس الأرض مع ذوي الأزهار.
أرى الخريف بعيونٍ مختلفة بعكس غيري، فهو ينبوع للنمو وليس رمز للاحتراق والاصفرار، هو لون شاق، يبديه بلونهِ الجميل الأخاذ… أنظر إليه وهو يشكل بساطًا أصفر، أحبذهُ على اللون الأخضر! الخريف زهرة العام فيه بدايات الشتاء، يتسلّل الخريف ومن معطفه، تزهر الحياة ثانيةً بلون الثلج الأبيض. الثلج القادم مع رواية من وراء الحدود.
لا تُحدق للأشجار وهي بلا أوراق، ولا ترمق الأوراق بلا لون، تأمّل هذه الأوراق اليابسة إيذانًا لبوادر أوراق جديدة وأشجار خضراء وبرد جميل! كلّ ذلك ينمو من ساقِ الخريف، نقيض الربيع الذي يحزنني! لأنه يُذكرني أن هذه الأزهار اليانعة، وهذه الأوراق والألوان الزاهية، وقوس قزح الشتاء الذي يلمع من شعاع بقايا رذاذ المطر، هو زوال لهذه اللوحة التي أحرقتها شمس الصيف السمجة.
هذه الرؤية، هي حياكة الحياة في لوحة الرواية، بالمُتَخيل والمُتناقض، تستنبط الحياة من الموت وليس العكس، والإشكالية بعيون السطحي المتكاسل أنهُ يبحث عن الحياة ولكنه يختبئ تحت قشرة الموت! تذكير أن الموت إنما هو الحياة إذ ما تدفقت الأرواح ملونة بالزهر، والزهو، حياة تنبض بالتناسل وكأنها تستنخ الأشياء من داخلها!
عند كتابة رواية جديدة، أحرص أن تكون ذكية بمضمونها، وإتقانها…اعتمد التآلف والتصادم مع شخصيات أخلقها بالكلمات ولكنها بغزلٍ مُتْقَن وخلقٍ حذق تجرني بشغفٍ مفرط لتكوين أرواح حيّة شبيهة بالأرواح السابحة من حولنا في الحياة. أغلبنا يظنّ وهو يقرأ الرواية ويتفاعل بشدّة مع الشخصيات والوقائع إنها مجرّد مضيعة للوقت وتسلية أو تشويق، ولكن حين تقرأ بعيونٍ مختلفة عن عيون القراءة الكسولة المتراخية، الآلية، سترى أرواح بشرية حيّة، بشر يتحركون حولك، يتألمون ويفرحون ويتقاذفون الشتائم، تُخْلَق الشخصيات في الرواية الذكية، بلا كلمات جاهزة معدة! تنمو من رحم الكتابة وتنسلخ عن الكلمات والحروف لتخلق أرواحًا منتشية بالحياة واليقظة. هذه الرواية تستند للخيال الواقعي المستنبط من جوهر الأشياء إنها الخريف بأوراقهِ الصفراء، الرواية الذكية معالجة من تكنولوجيا الخيال وتقنية الواقع!!
الرواية زلزال غير مدمر!
وعن الرواية ذاتها، فهي الخلق الكوّني، للحدث والشخوص، بناء المكان والزمان، ثم خلق الشخوص، أنهُ ذات الخلق الكوْني التصويري…وهذا يذكرني بشيءٍ من الغرابة في تجربتي الشاقة مع الرواية، حين قَفزتُ ليلة من النوم ظلّلتُ بعدها ليالٍ أخرى بأرقٍ وتوتر كتابي، لأنني اغْتلتُ احدى الشخصيات الرئيسية، قبل الأوان!! لم أنَمْ لأنني حينها أدركتُ أنني اغتلتُ الرواية برمتها قبل أن تنتهي، هل أعيد احياء الشخصية؟ ذلك خارج المدار، وغير عقلاني؟ ولكن متى كان التأليف عقلاني؟!
صحيح ترسمهم وتقوم بخلقهم، ولكنك بعد ذلك تفقد السيطرة عليهم، فأنت لست إله يتحكم في خلقهِ، أنت مبدع تبني رواية قائمة على حدث وشخصيات سواء كانت واقعية أو خيالية، فهي في النهاية حياة لها مسارها الذي لا يمكن التنبؤ به وإلا أصبحت الرواية مجرّد حكاية عادية غير مقنعة. ومن ثم تنتحر الرواية عندما لا تسعف مضمونها، الرواية هي من تكتبك ولست أنت من تكتبها.
