«قمر باريسي».. جمعة: خدمتني السينما كثيراً بتقنياتها في كتابة الرواية

«قمر باريسي».. جمعة: خدمتني السينما كثيراً بتقنياتها في كتابة الرواية ولا أعترف بالتقسيم المبتذل للإبداع

حاورته: عزيزة علي  – جريدة الغد الاردنية.

 يرصد الروائي البحريني أحمد جمعة في ثنائية “بيضة القمر” “قمر باريسي” تحولات المجتمع البحريني من خلال شخصية الشيخ “سيار” المركبة وعلاقاته النسائية المتعددة. وتعيش شخصيات جمعة عوالم مغلقة، تتنشق على الشاطئ أنفاس البحر ورائحة أسماكه، وتضطر إلى كبت مشاعرها ورغباتها، لتفيض وتتفجر بعد ذلك في زمان ومكان لا تختارهما وقد لا يتناسبان معها، وتترك للمصادفة وحدها مسألة اختيارها. كحركة ذرات المادة، تلتقي هذه الشخصيات، وتتشابك، تنّفس عن كبتها وشغفها، ليعود كل منها ويأخذ مساره وطريقه المختلف.يتابع جمعة في الجزء الثاني من ثنائيته رصد تلك التطورات والتغيرات من خلال الابن غير الشرعي لهذا الشيخ الذي يحمل جينات والده في نهج حياته السلوك التي تتكئ فيها على تناقضات في النفس البشرية، ليحط رحاله في الجزء الثاني “قمر باريسي” في”مدينة النور” باريس. جمعة الذي صدرت له روايتا “بيضة القمر” و«قمر باريسي” يرى أن الحركة النقدية في البحرين “غير متوفرة”، وما يقدم هو عبارة عن دراسات في الفكر والسياسة، وهي بعيدة عن النتاجات الأدبية. ويرى صاحب “شهرزاد الحلم والواقع”، “الصعود إلى المنحدر الرمادي”، “أبو نواس يرقص الديسكو” و«فنجان قهوة للرئيس”، أن القارئ أذكى من أن يحدد له زمن بعينه في الرواية فهو يعيش الزمن الحقيقي والتصوري من خلال سرد الأحداث. حول أبرز ملامح تجربته الإبداعية، والمشهد الثقافي البحريني، وتقنياته الكتابية، وعلاقته بالفن السابع وغيرها من الموضوعات كان مع أحمد جمعة هذا الحوار. * اتكأت بروايتك على المهمشين في المجتمع، بينما غيبت الفئة الأخرى؟ – لم اتكئ على المهمشين نتيجة خطة مسبقة ومحكمة وبقرار شخصي. أنت الآن تتحدثين معي عن دور المهمشين وأستنتج من هذا السؤال أن ثمة حيزا شاسعا لهذه الفئة التي كانت في أواسط القرن الماضي تشكل الفئة الأوسع في المجتمع البحريني وبالتالي ليس المهمشون فئة قليلة أو محصورة وعندما أعبر عن هذه الفئة فإنني أحتضن قطاعا واسعا من المجتمع الذي أنا شخصياً كنت أنتمي إليه وهو انتماء تمثل في العائلة التي كانت تعمل في البحر والصيد والغوص وتعيش على هامش حياة الرفاه التي كانت أساساً حينذاك مختزلة في شريحة ضئيلة من المجتمع وكانت الأغلبية الساحقة هي البحارة والفقراء والمهمشون، هذا فقط للتوضيح فيما يتعلق بمجتمع البحرين الذي كانت تنتمي إليه هذه الشخوص. غياب الفئات الأخرى لم يكن جذرياً ففي “بيضة القمر” وهي الجزء الأول من الرواية برزت شخصيات تنتمي إلى فئة الثراء والمال والنفوذ مثل “محفوظة” التي سيطرت على مجمل أحداث الجزء الأول وكانت بمثابة العائل للشيخ سيار ومن بعده الشيخ خلف وحتى “نعوم” التي امتد أثرها إلى الجزء التالي في “قمر باريسي” وإن كان ذلك في نطاق ضيق من الرواية لكن النسبة الغالبة كانت للمهمشين، على حد تعبيرك انطلاقا من كون هذه الفئة هي الشريحة الغالبة في المجتمع البحريني حينذاك. * كيف ترى نموذج شخصية الشيخ “سيار” المتناقضة في الحياة العادية؟ – نموذج الشيخ سيار هو نموذج الشخصية السحرية القابعة داخل ذاتها عبر كنوز من العواطف والأفكار والأحاسيس، هو الإنسان المتواجد في الواقع ويعيش في لجة السحر، هو سحر الحياة بما تحتويه من اللذة والألم والضياع والوحدة ولا وجود لغير هذه المشاعر في الشخصية خاصة عندما تكون عبر هيئة رجل الدين الذي ينظر إليه على أنه في برج عاجي ولا علاقة له بالحياة والواقع. عندما تعاطيت معه في الجزء الأول سحرني بدرجة خرج عن سيطرتي ونفذ مني إلى خارج عالم الكتابة إلى ما يشبه التلبس مما دفع ببعض الأصدقاء ممن قرأ العمل إلى البحث عن حجة للقول إنني تعاطفت مع الشيخ منذ البداية وهي إشارة إلى الانحياز إليه ولكن ذلك أبعد ما يكون عن الواقع على العكس لقد أفسدت شخصيته الوقورة وتلاعبت بها كما هو يريدها وكما كان عليه في الواقع السحري بمعنى هو الذي شكل نفسه وليست الكتابة. كان الشيخ يعيش الواقع ولا يعيشه وكان يغرر بالنساء بلا مساومة ولا خداع يتبادل اللذة معهن من خلال إشباعهن وليس من خلال استغلالهن، كانت النساء على اختلافهن يرتمين عند قدميه كالساحر الذي يبهرهن ولا أثر للمقاومة ومع ذلك لم يسعَ للحط من قدرهن فقد عشقهن جميعاً بنفس الإحساس. * هل ترى أن علاقته بهذا العدد من النساء تحتوي على عدل ومساواة؟ – لم أصف الشيخ سيار بالعادل بين النساء إلا لكونه عادلاً في استقطاب كل مشاعرهن والسيطرة على عواطفهن بما يرضيهن، ربما لم يكن عادلاً من خلال انتزاع اللذة لذاته وربما فرق بينهن في مستوى الشهوة التي تفجرها كل منهن لديه ولكن بالنسبة لكل واحدة منهن كانت على قناعة بالرضى منه وهذه عدالة نسبية، هذه العلاقة التي كانت بينه وبين كافة النساء تختلف عن علاقته بخديجة في بداية التكوين لبيضة القمر فلم تكن العلاقة إلا تلك البدائية التي انبثق منها الكائن الغرائبي الذي يقرأ الأجساد بشفافية الساحر وقد اكتسب ذلك من خلال علاقة سريالية لا ترتبط بالجسد بقدر ما هي علاقة إنسانية خارج دائرة الجسد وإن كان فيها الجسد مجرد وعاء. يقال إننا نعيش في زمن “الانفجار الروائي” كيف ترى الأدب الذي تكتبه المرأة بشكل عام، والمرأة الخليجية بشكل خاص؟ لا أعترف بهذا التقسيم المبتذل للإبداع بين نسائي ورجالي وفي المحصلة الطبيعية لا يوجد إبداع ذكوري وإبداع أنثوي، الإبداع إبداع ومن الإجحاف تكريس تقسيم المشاعر الإنسانية إلى رجولي وأنثوي، روح واحدة سواء أكانت لرجل أو لامرأة فهي حالة لا تعترف بالتقسيم المجحف للإبداع ذاته، عندما أقف أمام نتاج إبداعي لا أقرأ ولا أبحث عن الجنس بل عن الإنسان المبدع بصرف النظر عن كون رجل أو امرأة لذلك لم أتوقف طوال حياتي أمام جنس الكاتب ولذلك لم أمارس التصنيف والتقسيم لكن إن قصدت العدد والكثافة التعبيرية فهو للرجل وإن كانت هناك أسماء نسائية في الساحة الخليجية لها وزنها خاصة على صعيد الشعر. * لديك كتابات سينمائية .. كيف استفدت من هذه التجربة في إبداعك؟ – السينما هذا العالم السريالي من تدفق الصور الحية يحرضني دائماً على اكتشاف المزيد من لغة الكتابة مستوحاة من تقنية هذا الفن وهذه الصناعة العصرية الزاخرة بفنون تعبيرية هائلة، لقد استفدت منها ككتابة حيث شرعت فترة من الزمن في الكتابة في مجال النقد السينمائي وصدر لي في ذلك كتاب سينما يوسف شاهين إضافة إلى الكتابات الدورية، غير أن الاستفادة القصوى جاءت من خلال مشاهدة آلاف الأفلام الأجنبية وخاصة الأميركية ذات التقنيات المجنونة الهائلة بصور التعبير وربما لاحظت أسلوب السرد في الروايتين حينما وظفت اللقطات المتلاحقة والتقطيع “المونتاج” في الانتقال السريع للإيقاع من حقبة إلى أخرى ومن زمن إلى آخر ومن حدث إلى غيره من دون اللجو إلى الوسائل التقليدية المملة والقائمة على النقل السردي. لقد خدمتني السينما كثيراً جدا خاصة في مجل توظيف التقطيع إذ كانت طريقة المونتاج وسيلة للانتقال بين الفصول والأمكنة والأزمنة بكسر الحواجز التقليدية في السرد وربما لاحظت تلك الطريقة في تجاوز الزمن والقفز على الفترات باستخدام تقنية الفلاش باك بين زمن الروايتين “بيضة القمر” و«قمر باريسي”.

 Picture 096قمر باريسي 003

يسرا البريطانية – تصدر خلال أيام

تصدر خلال أيام

يسرا البريطانية 2 18-5-2015

 رواية ( يسرا البريطانية) احمد جمعة

تصدر هذا الشهر رواية (يسرا البريطانية) عن دار الفارابي بيروت بعد معاناة مع الوقت والظروف السياسة في المنطقة

[من الزبير إلى حلب إلى البحرين ودبي وحتى بريطانيا ثم كردستان، هل وقعت في يد داعش وخرجت؟ أم كان هناك قدر رسم لها تحولاً إلى فخ نصبته المخابرات؟]

عرفت أن الخطوط الحمراء موجودة في كل مكان من هذه الدنيا، لكنها لم يُخيل لها أن هناك عرشاً من الرماح ينتظر جلوسها عليه لأيام، تتحمل جبالاً من المشاعر المنذرة بالرعب القادم، سمعت عن المحاكم الثورية والعسكرية الميدانية السريعة، لكنها لم تتصور أن هناك من ذهب من النساء والرجال وحتى الأطفال للإعدام، لمحت في ساعة صفاء ذهني نادرة شبح نجوى القطان فوق سطح الدار تنشر الملابس المغسولة على الحبل، ومن بينها البذلة العسكرية لجبار الشريف، تراءى لها طيف لطفلة صغيرة تقف على بعد خطوات من المرأة تتطلع للزي العسكري، فترى فيه الشموخ الرمزي لشيء يبعث إحساساً لم تدركه ساعتها، لاح لها الآن على مقربة من الموت، ساد الصمت أيامها التالية وهي محتجزة في حجيرة مكتظة بالنمل والحشرات، يعلوها سقفاً خشبياً، ينبعث منه الغبار طوال الوقت ويسبب لها السعال المتواصل، وصلت المكان عبر ناقلة كبيرة محملة بالمواد عبرت بها الطريق معصوبة العينين لم تعرف شكل من كان يرافقها على الناقلة ولا هويته ولا العدد، باستثناء صوت رجل كان يسعل بين فترة وأخرى

 تروي حكاية يسرا  عن جبار الشريف القرمزي

تتناول الرواية تطور قصة يسرا المرأة الزبيرية ذات الأصول والجذور “النيادة”: مع مراحل تحولاتها

  • يسرا القرمزي
  • يسرا البريطانية
  • يسرا الإرهابية

ومحطات عبورها خلال الرحلة الممتدة عبر سنوات الجمر من الزبير إلى حلب إلى الحدود اللبنانية، السورية، التركية، والعراقية مرورا بالبحرين ودبي ولندن
مقطع من الرواية:

أفاقت على وقع أقدام عند الفجر، وقبل بزوغ الشمس، فُتح الباب وهي ما كادت تغط عينيها بعد ساعات طويلة من أرق مزمن، كسر صرير الباب الخشبي سكون الفجر، ولامست أقدام الرجل أرض الحجرة، نفضت عنها الغطاء القطني المهلهل والمزركش وجلست القرفصاء وسط صمت الرجل الذي بدا وجهه منتفخاً من النوم، نظر إليها وقال متسائلاً.

 ألم تسمعي أذان الفجر، كالعادة تغطين في النوم كالميتة؟

 ما المتعة في تكرار كلمة الموت” بدا على وجهها الذعر من هيئة الرجل الواقف كالصنم لا يتحرك فيه أي جزء من جسمه، حتى عينيه بدتا جاحظتين لا ترمشان ولا مرة كأنهما عينان زجاجيتان “ماذا يحمل معه لي في هذا الفجر المظلم فجأة؟
خرج عن صمته وقال بنبرة آمرة.

 قومي اغتسلي وصلي الفجر، سنأخذك في جولة، لقد انتهت إقامتك هنا
فجأة سمع دوي انفجار على بعد، تلاحقت أنفاسها وبدأت ترتجف من البرد وظلت حبيسة المكان كأنها لم تسمع الرجل الذي نهرها بلهجة شديدة آمرة، خارت قواها، لم تستوعب الموقف، مازال يغلبها النعاس والإرهاق.

 هل سيعدمونني؟

 لا ليس اليوم

هناك إعدام إذن

على بعد ساعتين وصلت الشاحنة لبناية داخل المدينة المهدمة بفعل القصف، وهي تنقل عدداً من الرجال الملتحين من دون أن يحملوا بنادق أو بنادق آلية كما كان الحال في المرة التي جيء بها إلى المكان، لم تُعصب عينيها هذه المرة، رأت خلال الساعتين المنصرمتين طرق وعرة وشوارع مرصوفة وبنايات وسيارات مدمرة، لكن البلدة التي دخلتها لم تكن بها أية كثافة سكانية، ظهر بعض الصبية يعبرون الطرقات وانتشرت بعض القطط والكلاب الضالة، وبرزت براميل القمامة مهشمة أو محترقة فيما غطت النفايات بعض زوايا الطرقات وأغلقت أغلب المحال أبوابها وبدت المدينة أقرب ما تكون إلى الهدنة، راقبت كل تلك المناظر لعلها تتبين المكان لكن أحدهم من فرط ثرثرته مر على ذكر القائم “عدت قريبة من الهدف، لعنة على هذا الزمن، مرة أقترب ومرة أبتعد” عندما توقفت الناقلة بالقرب موقف للسيارات هبط الجميع باستثنائها، أشار لها السائق بالانتظار، ظلت لأكثر من خمسة وثلاثين دقيقة حتى وصلت سيارة صغيرة، هبط منها أحد المسلحين الملثمين واقتادها للسيارة وانطلق بأقصى سرعة بعد أن عصب عينيها، في البداية ساد صمت تخلله صوت محرك السيارة الجيب، ثم تسلل صوتها معطوباً ينم عن حزن داخلي عميق تحمله نبرة مكسورة.