خرق للمسكوت عنه …

 

كتابة رواية كالسفر إلى مجرة

 احمد جمعة

4e21b8c54c4fbc8b8da60a61d7f7f4f2

إهداء إلى أنطون جيكوف

اننا نتمتع بموهبة اختراع الروايات كي ندغدغ ألمنا . مارسيل بروست

1

لأن الهروب من بدائية الحياة يريح قلب كاتب فقد الثقة بالعالم من حوله فرار بكبسولة شهوة، فانجر يتقصي ملاذ غير آسن كمستنقع مليء بالورود أو بستان مكتظ بالحراب السامة، تبعدك الرواية عن الروتين القاسي كالذي يتمثل بسقوط طائرة ركاب وعلى متنها مئتي إنسان ويعبر الخبر طبلة أذنيك مرور ذبابة أمامك، أو كمصرع عشرات الأطفال بغارة خاطئة بشمال أو جنوب سوريا ولا يثير ذلك حسك لأنه بمكان بعيد عن بيتك ولسبب أعمق أنك لا تعرف أحداً من ذوي أولئك الضحايا. ما علاقة ذلك بكتابة الرواية؟ يسأل من لم يقرأ أنطون جيكوف أو ارنست همنغواي أو غابرييل غارياي ماركيز، لأن الأمر لا يعنيه فالرواية التي تشدك هي تلك التي تصف جسداً عارياً أكثر مما يثير خبر سقوط طائرة الركاب وهكذا يتداعى العالم وينهار كأنه علبة كارتون أو قطعة خشب طافحة فوق الماء، أي جنون للرواية يحتشد فيها البشر من كل الألوان والجنسيات وكل ما يهم هو ماذا يشكلون من شهرة، فحين يموت مئة طفل بغارة لطائرة أطلسية بحدود أفغانستان تجد الخبر بحافة صفحات الأخبار الهامشية بداخل الجريدة أو بذيل نشرة الأخبار بقناة العربية ولكن وتفاجئ بعد ساعة بخبر انتحار أحد المشاهير في هوليود أو سبق صحفي لخروج نجم الكرة كريستيانو من فريق ريال مدريد، خبران يحتلان صدر الصفحات الأولى وبدايات نشرات الأخبار حتى القارئ أو المشاهد لن يتعاطف معك سوف ينصرف لأخبار المشاهير وينشرها بوسائل التواصل الاجتماعي، هل رأيت مرة واحدة بحياتك خبر غارة على مخيم للأطفال بوسائل التواصل الاجتماعي أو بتغريدة لتويتر تبلغ آلاف القراءة؟

الهروب للرواية يخلصك من بدائية العالم ويفسر طعم الهدوء بمذاق نهارك الذي تشرق شمسه بكلمات مألوفة مثل صباح الخير وكيف حالك؟ وأين تسهر الليلة ثم تمضي يومك بتعاسة لأنك لم تقرأ رواية لغارسيا ماركيز لتفهم ما هي الحياة وليس كيف تسير الحياة؟ إن لون الشمس بعد يوم ممطر هو البرتقالي ولكن بذهنك المدرب بالتبعية سترى لونها أصفراً باهت كورقة خريف برصيف طريق مكتظ بالأشجار وإذا كنت تعيش ببلد لا توجد بأطرافه سوى النخيل فلن تفهم لماذا يعتبر الخريف أجمل من الربيع لأنك لا تمر بيوم خريفي في وطن لا تزرع فيه الأشجار ولا تسقط أوراقه الصفراء على الطريق، هل يجيب هذا التأرجح غير العقلاني على سؤالي لماذا الرواية؟… إهداء إلى أرنست همنغواي.

2

متعة الرواية في وحشية كلماتها التي تمطرها حوادث غامضة تدور بين كائنات غريزية تهاجر كالطيور بين أغصان يابسة بغابات كريستالية تشدك من نهارك الرصاصي حتى مساءك البنفسجي ولا تترك دقيقة تميز بين امرأة تصلي تبيع الهوى وبين امرأة عارية تحمي شرفها بالدموع، لأنك مسير بعقائد صفراء ببطون كتب التاريخ سردت لك لآلاف السنين والحقب طلاسم مزركشة بالفتن تمضغها وتمضي بحياتك سعيداً لن تفهم معنى الرواية بهذا الزمن الذي أودعت كل رصيدك من المعرفة بتغريدة تويتر خاطفة مرت كأنها نسمة بيوم حار أشبعت جوعك لمعرفة لماذا تزدهر الرواية بمكان آخر من العالم بينما تموت بمكان آخر فيه؟

لقد كتب عليك أن لا تسافر لأبعد من حدود توتير ولا أقصى من أخبار المشاهير لأن بذلك تسلية عظمى لعقلك المترهل الذي لا يحبذ ثقل أوزان ما يجري وراء أسوار اللاجئين بالعالم الذين يستحق كل نفس بشري منهم رواية تشهد على ميلاده وموته، فكم لاجئ عربي غرق بمحيط سحيق تعرف عنه شيئاً مقابل ثقافة مكعبة هائلة رسخت بعقلك عن بطل لعبة تنس بأقصى الأرض، هل رأيت الفرق أيها القارئ بين الرواية حين تبحث عن تائه بين أركان الكون وبين قطعة تغريدة تسبح مئات الكيلو ميترات لتقع فوق رأسك المربع كعلبة الطماطم؟ رواية الشيخ والبحر، ارنست همنغواي ورواية (……) شتان بين عالمين منشطرين أحدهما أسطوري وآخر متفسخ لكن أغلب قراء اليوم بعصر التواصل الاجتماعي يسبحون بمستنقع التفسخ فالشيخ والبحر تقبع بمخازن الغبار وتخلوا منها المكتبات المتفسخة بعالمنا العربي بينما تعج بها مكتبات باريس ولندن ونيويورك وكأنها من إصدارات أمس، الفرق بين القراء كالفرق بين الليل والسجن فكلاهما مظلم لكن لأحدهما الشوك وللآخر السحر. نقرأ ونقرأ ونصاب بالتخمة ويظل العقل فارغ لأن عصر الرواية تغير منذ ازدهرت مهرجانات الورق بأطناب الأغلفة الصفراء ذات الحروف السامة والخالية من زهور الألم الذي عاشه غوغول وجيكوف وشتاينبيك ونجيب محفوظ، أضحى وادي الرواية خالياً من العشب ونكهة السرد الخرافي. زمن الرواية يزدهر في الغرب وبالعالم كما لم يحدث من قبل وزمن الرواية بمحيطنا ينضب كنهر مملكة الحيرة الذي تحول لصحراء رصاصية اللون… إهداء إلى نجيب محفوظ 

3

ماذا يؤلم الروائي غير غض الطرف عن المسكوت عنه؟ مخدر الكتابة أحد الآلام التي تسببها الغيبوبة حين ينتشي السرد وتوغل بالغابات الضبابية ويلوذ الأبطال كل بمرفأ ينتظر انفجار الحدث، تثيرك كآبة ما بعد الجنس، ينتشر دخان الانفجار بأرجاء المكان وبأبعاد الزمان فتقع الفوضى العارمة بأنحاء الرواية وعلى الروائي الجسور تحريك الخيوط المشتعلة بالنار والسير على الماء بأقدام مشتعلة بالنار للملمة المسافات المتبقية من حريق الغابات، لاشيء يوازي الثورة العاطفية والانتكاسة النفسية مع الوقائع الأصلية بالرواية لعدم وجود مسارات روتينية كئيبة تحكم النسيج وإلا ما عاد للمسكوت عنه واقعية، فسحر السرد وجنونه هما في الوصف الصوري وليس في عبارات غبية مرئية ظاهرية، فسحر السرد يكمن في الجوفي الذي يمزج الواقع بالخيالي والسحري لتبزغ صور حقيقية بقدر الواقع المزري المصور، فكاميرا الروائي هي السحر ولكن من يعتقد ذلك غير المتألم بالكتابة والساهر خارج كهف الضجر. للرواية شأن يوازي يد الخالق الذي يشكل الخلق بصلصال الألم والبؤس وشرارة الاحتراق فتكون نطفة الخلق تلك الشخصيات الملتهبة التي تملك كيريزما جاذبية ولا تسقط بالسأم، التحدي للسارد هو الألم الآتي من رحم الواقع ونبشه واستخراج المومياء بداخله حية ترزق.. هكذا يتم الخلق السردي. ما يؤلم حقاً هو السرد المسكوت عنه، لا أولئك الأيتام الذين ينبشون بقايا الكلمات المستهلكة ثم يجمعونها بركام الورق لتظهر بشكل كراسات متوهة تبحث عن صيد بالكاميرات في أسواق عكاظ السنوية.

ما يؤلم الروائي تلاشيه بالانفجار ذاته مع الأبطال والشخصيات في الزمان والمكان، فما أسهل الكتابة بمداد الألوان المزركشة وأسهل من ذلك صنع العبارات بالورق كلعبة مكعبات يتم رصها بحكايات الأطفال الليلية ما قبل النوم، ما يؤلم هو السرد السحري الدموي المحفز للمجازفة بمسكوتٍ عنه بين خالق متألم ومخلوقات هامشية لا يعتني بها العالم إلا في الروايات الدامية فقط…إهداء لغابرييل غارسيا ماركيز

 

4

تدغدغ الرواية الألم بالكاتب وتقوده لجنون ناري ساعة خلق الوجوه وصياغة الأحاسيس، أنه خالق للأرواح البشرية دون إرادة التحكم فيها، لا تصنع الرواية الأحداث الشخصيات المتناثرة بداخلها هي من تحرك الحياة فتخرج سيطرة الكاتب عن مسارها وتتحول الدمى التي تشكلت في البداية من عجين الصلصال إلى كائنات تتنفس الهواء ويلوذ القلم بالفرار لتتربع الرواية قمة الإبداع، لا قواعد رقابية ولا خطوط حمراء تعترض الطريق، تعبر الكلمات من فجوة القلم السحري لتنفض الغبار عن المسكوت عنه وتتوغل بخفايا الظلام، تعري النفوس وتفضح ما وراء الستار، تتجاسر على التقاليد والقيم البالية، تفجر القوالب الجامدة بالواقع لتنزع الخوف من الأرواح الراكدة فتختلط الأوراق ويبدأ الكون بالاستماع لأنين المهمشين والمطاردين والعشاق والموجعين والضائعين بالمتاهات لتختتم النهايات بالبدايات، فلا توجد نهايات إلا تضاجع البدايات، فالعشاق المحرومين من الشواطئ والموانئ والمتخفين بدهاليز الليل يلتحقون بملاجئ العتمة لينعموا بالسلام.

رواية لا تكون بمثابة تمثال جمال ترتدي الألم، رواية لا تحلق بالسماء ما لم تصاب بالجرح، رواية لا تخرج هاوية الآلام البشرية هي كارتونة فارغة كدمية ملطخة بالألوان، الرواية، تلك المجنونة المتمردة على الواقع والمتحدية للقوانين والإجازات الرسمية، أي رواية تلك التي تروج بالواجهات الزجاجية ولا تعبر مرافئ الجوع والخوف والجسد؟ أي روائي ذاك الذي لا تكتسحه المشاعر المدمرة؟ عندما ترتدي الكلمات الماكياج تضحى مجرد حروف باللغة. الرواية هي جرح نازف لا يعالج بالمسكنات، الرواية حكاية معذبين وعشاق سعداء وهائمين بالطرق ووجوه هاربة من الألم إلى مرفأ السكينة، رجال، نساء، عمال، رجال أعمال، عاهرات، قوادين، ومنافقين، أطياف وأشباح وبشر محرومين ونساك ومحتالين ومصلين وملحدين، بوتقة بشرية وكتلة مشاعر تسمو بها العبارات صور تجر بعضها ولا ينتهي المسار بنهايات سعيدة أو حزينة، نهايات وبدايات مفتوحة بلا حدود ولا خطوط حمراء… إهداء إلى جون شتاينبيك.

****

يسهل تدمير الإنسان لو تحول لإله!

 

من رواية حرب البنفسج

IMG_2320

احمد جمعة

رواية

حرب البنفسج

لا تصدقوا شيء في هذه الرواية الخرافة، أنها الحقيقة،

فقد يسهل تدمير الإنسان لو تحول لإله

احمد جمعة

ماذا ينفع الفجر إذا لم نستيقظ؟

جورج كريستوف لشتينبرغ

توطئة لبنفسج 

من هي بنفسج؟ ساحرة أم ثائرة؟ من أين جاءت؟ وإلى أين ستمضي؟

الطفولة عادة ما تولد مع انزلاق المولود لوهلة خاطفة من الظلمة للنور، من الماء إلى اليابسة، حيث ينمو في مشيمة مياهٍ دافئة ثم ينزلق منه للخارج مع أولى قطرات الضوء ليشكل من حوله صدمة الولادة، من عالم التشكل لعالم الولادة الحية، تشرق الولادة من قلب عالم سري غامض لا يدركه الكائن الحي الذي عاش في سديمٍ أشبه بالثقب الأسود، يولد، يعبر الولادة، يخرج للنور، تبدأ خطوات الطفولة الأولى، يعيشها وتعبر معه بعفوية. لا توجد طفولة مخطط لها ولا توجد طفولة تتلبس الطفل، تنشأ الطفولة من الهواء والبحر والزمان والمكان، تكتشفها وتعيشها من دون أن تخطط لها، من عالمٍ صغير محدود كنا نظنه العالم كله، من هذه الفجوة الغامضة تُفتح نافذة بنفسجية نظنها العالم. من هذه الثغرة أطلت طفلة مهمشة شرسة تُدعى بنفسج قبعت قسراً دون إرادة بقاع الرق والعبودية، ثم استيقظت فجأةً.

هل سبق وحدث قبلاً أن رجع إنسان من الموت؟ هل عاد أحد حياً يرزق عقب رحيله؟

( 1 )

ولاية صور

من: 1868 

  لفظت شمس أغسطس المستعرة أنفاسها الأخيرة ونزعت عنها خيوطها الذهبية المتهدجة تحت أفق البحر الراكد كسجادة فارسية قديمة بالية انسلت أطرافها وبدت كخيوط المشط الخشبي المتهرئ، أطلت مدينة صور الساحلية من بين أنياب الغيوم السوداء تتنفس الهواء الساخن عبر رئتيها المنتهكتين من هول الحرارة الدبقة ورائحة البحر وعفن الأسماك النافقة المتكدسة على طول الساحل الذي بدا يعج بالسفن الخشبية العملاقة، وقد خلت من الحركة ولاحت كأنها مهجورة منذ أزلٍ غير محدود. كان الصمت قد جثم على المدينة المسترخية كناقة هزيلة بركت على الأرض تلفظ لعابها مستسلمة لنهايتها المحتومة. على بعدٍ من رأس المرفأ الذي أطبق عليه الوجوم، انتصب ضابط البحرية الملكية البريطانية الرئيس داود لنج على سدة المرفأ الخشبي المطحون كالعجين بفعل شدة تدفق الموج حتى أعلى حافته الصخرية، يحدق في مدينة صور البحرية الرمادية اللون ومن خلفه أحاط به عدداً من حاشيته بينهم كل الأجناس، منهم الانجليزي ذو البشرة الفاقعة البيضاء كالحليب والعماني بلون التمر السعودي كالذي تراكمت أكياسه البنية اللون من الخيش على رصيف المرفأ البالي، ينتظر من يشحنه، وهناك الزنجباري الأفريقي اللون وغيرهم ممن بدوا بمظهر الذين أصيبوا بالكساح لشدة هزالهم، فيما آخرون ممن التفوا حوله وتحلقوا كالذباب في المكان بدوا أشبه بالجبال لقاماتهم الباسقة كعجائز النخيل ذوات الأعمار المديدة. اكتظ المرفأ بالصخب ودوي العربات التي تقودها الحمير ويعلوها رجال حفاة يغلفهم الهزال وتكسوهم أسمال بالية، ينزف منهم العرق ويسيل على وجوههم حتى يكاد يغرق عيونهم ويطبق على وجوههم العابسة ويغطي لحاهم الملبدة بالزيت. علت أصواتهم المبهمة بلغاتهم المتباينة وهم ينقلون المؤن من السفن الراسية على بعد مسافات طويلة عبر المكان الهادئ إلى سطح الرصيف الحجري وبعضهم ما يكاد يفرغ العربات حتى يتعثر في الحفريات التي غزت الرصيف على إثر تشقق حجارته القديمة المتكلسة بسبب المياه والرطوبة وعفونة السوائل المختلفة المتدفقة من البراميل وصناديق المعدن بلونها الأصفر المتجعدة بعضها بفعل التكدس.

 على تلك الرابية الخشبية المطلة على واجهة البحر المستقيم على مدى البصر كبساطٍ أزرق اللون لا نهاية له، وقف بهيئة متيقظة كأيقونة من الرخام الصلب الرئيس داود لنج ضابط البحرية الملكية البريطانية، بدا شامخاً كالحاكم لولاية من ولايات الخليج السحيق والمترامي الأطراف، يتطلع للبعيد متصنعاً الحكمة والوقار بقامته الفارعة الطول ورقبته القصيرة وهي تتناقض مع هيكله المسلوق، بدا رأسه الكبير المزروع على جثته يترنح عندما يحدق بعينيه الواسعتين بلونهما الأزرق كلون البحر الذي يتأمله، فيما راحت نسمات الهواء الساخنة الخفيفة التي تهب بين فينة وأخرى من جهة الجنوب تدلل شعيرات رأسه البرونزية اللون المتبقية من الأطراف، بدت جبهته منبسطة ومرتفعة قليلاً عن مستوى حاجبيه العريضين، كان إذا تحرك في مكانه ببزته العسكرية الدالة على البحرية الملكية يبدو لوهلة كالقائد الفذ الذي يحاول أن يبسط سلطته على المكان، إلا حين يُصدم وهو يطرد الذباب عن وجهه، فيبدو كالفزع من هجوم مباغت، فتزول سمات الوقار المفتعلة عندها يشير بأصبعه الطويل الملتوي للأسفل بتوجيه أوامره لمرافقيه من جنود البحرية الملكية البريطانية الذين بدورهم يقذفون بتلك الأوامر في وجوه العمال والحمالون الذين لا يترددون في تنفيذها بسرعة من يريد إثبات الجدارة في التنفيذ أفضل من غيره، فيتسابقون في السرعة والحركة للبرهان على وفائهم في العمل، كانوا يقفزون ويمخرون الرصيف وعيونهم متطلعة نحو جنود البحرية الانجليز لمعرفة انطباعهم عن تفانيهم في الأداء. 

 

 

****

 

 

حدق داود لنج بمنظاره الطويل ذو الغلاف الأسود المعقوف من الأمام، تجاه السفينة الحربية القادمة من وراء الأفق للمرة التاسعة وهو يترقب دنوها من الساحل، أمله الوحيد أن يلتمس قبل غيره من الجنود والضباط  اسم السفينة التي لم يفتر باله حتى أدرك عنوانها (اوسبري)، وما أن تبين له اسمها أخيراً، غير مكانه وتبعه عدداً من جنود البحرية ثم أشار لأحدهم بالاقتراب منه، كان الجندي منتصباً بفخرٍ عند صخرة عملاقة سدت طريق الممر الخشبي، بدا نحيفاً في زيه العسكري الفضفاض الرث أكبر من حجمه الطبيعي، غارت عيناه الصغيرتين في رأسه المدور كالصحن، فيما لاحت يده اليمنى تفرك ما بين أسفل فخذيه وهو يهرول تجاه داود لنج، وحالما استقام أمامه، أسر لنج في إذنه اليمنى الصغيرة بضع كلماتٍ فجرى الآخر بكل طاقته نحو غرفة صغيرة أشبه بالكوخ مبنية من ألواح المعدن والخشب، برهة وعاد مسرعاً وخلفه مباشرة مشى بخطوات متأرجحة بطيئة أحد شيوخ صور يدعى الشيخ قيس بن خزعل اليمامي وقد ارتدى دشداشةً صفراء داكنة اللون، ذات عنق مستدير، يحيط بها شريطاً ازرقاً مخططاً بالأسود يختلف لونه عن لون الدشداشة وقد تدلت منها على الصدر وصلة الفراخة،  بدت الدشداشة الفاقعة الألوان واسعةً على الجثة التي بداخلها، وهي نحيفة برز منها بطناً منتفخاً تهدج عن الجسد حتى كاد يخرج من الدشداشة، ظهر البطن مدور وكاد يصعد للذقن، يفوق انتفاخ امرأةً حامل في شهرها الأخير. حين وصل الشيخ قيس بن خزعل اليمامي عند قدمي الرئيس لنج الذي كان مشغولاً بحمل منظاره وراح يحدق في السفينة التي اقتربت ولمحها تجر ورائها سفينة خشبية كهلة وفسيحة الأرداف. وقف الشيخ منتظراً الرئيس لنج يخفض منظاره بينما جمد على بعد منه الجندي الذي رافقه. حين طأطأ الرئيس المنظار للأسفل بدت عليه سمات النصر بصيده الثمين للسفينة الشراعية التي بدت كسلحفاة كسيحة ذات بنية قديمة ملطخة بالسواد ولاح شراعها الأبيض في الأصل وقد تحول إلى لون السخام.

نفض بيده عن طرف سترته الحربية من غير أن يكون ثمة شيئاً عالقاً بها، فقد اعتاد هذه الحركة كلما أراد أن يصدر أوامره السامية رغم علمه بأنها أوامر صادرة له من جهة أعلى منه لكنه أدمن على الإيحاء لمن حوله بأنها صادرة عنه، كانت هناك ذبابة في الجو تلاحقه وتمنعه من إصدار فرمانه المتوقع بمباشرة الوقوف على استعداد للتعامل الحربي مع البغلة الأسيرة التي اقتنصتها سفينة البحرية الملكية وأصبحت على مقربة من المرفأ، فاض به الغضب فجأةً على مواظبة الذبابة ملاحقته حتى بادر أحد الجنود الواقفين بقربه وكان قصيراً وبطيء الحركة ويحمل بيده صحيفة أوراقها متهرئة لقصف الحشرة اللئيمة في الهواء فما كان من الآخر إلا أن صفع الرئيس في وجهه، حينها علت صيحة في الجو أطلقها الرئيس لنج آمراً الجنود باقتحام السفينة الأسيرة متجاهلاً صفعة الجندي بالصحيفة رغم محاولة الآخر إبداء أسفه. 

كتلة بشرية محشورة بين الأخشاب وصفائح النحاس قوامها أعداداً من النساء والرجال محصورون داخل الباخرة الأسيرة جلهم سود البشرة، نحاف البنية، يحدقون حولهم بخوف تعريه عيونهم الزائغة، فيما نزعت عنهم ملابسهم الخارجية وظل بعضهم ملتصقاً بجدار الباخرة كأنه يخشى عورته، كانت النساء خجلات من رؤية جنود البحرية الملكية يقفون منبهرين أمامهم فيما راح جنود آخرون يجرون طاقم الباخرة للخارج، كان بعضهم مقيداً بالحبال وبرز بينهم ما يبدو عليه ربان السفينة يقاوم الجنود فيما راح آخر يسحب أحد البحارة للخارج فسقط على حافة اليابسة. كان الوجوم يخيم على وجوه الأسرى من الرق فيما سيطر الفزع على امرأة في العشرين من عمرها كانت منزوية في ركن من الباخرة محاولة ألا تخرج وجهها، برز أحد الرجال منكساً رأسه للأسفل كأنه يلعق الأرض بلسانه بينما توجه اثنان من الشبان نحو الجنود، تعالت أصوات بعض النساء يولولن وراح الرجال يتلفتون حولهم وكأنهم يفرون من عيون الجنود غير مدركين مصيرهم بعد أن وقعت السفينة في قبضة البحرية الملكية التي كانت الأوامر قد صدرت لها بالتصدي لتجار الرق بتنسيق مع سلطان عُمان. كانت السياسة البريطانية تقوم على ملاحقة هؤلاء التجار الذين دأبوا على اصطياد الرجال والنساء من بعض القرى النائية على أطراف الحدود بين اليمن وعدد من المدن الأفريقية ويتم الاتجار بهم في المنطقة حيث يوزعون على السعودية والبحرين وبقية الإمارات في المنطقة. تولت السفينة الملكية عملية أصياد البواخر المتاجرة بالرق وكانت مهمة الرئيس داود لنج الإشراف المباشر على هذه المهمة التي يتم من خلالها وقف صيد البشر أو التبادل بينهم أو مقايضتهم بالأرض وغيرها من المواد، كما يتم تبادلهم كهدايا بين تجار الرق بين المشيخات في المنطقة، بدت هذه المهمة في طابعها أنساني لكنها ظلت محدودة بسبب عدم جدية السلطات البريطانية في لندن على توسيع العملية لتشمل الرق بشكل عام، فقد اشتكى الرئيس داود لنج ذاته من تخاذل قيادة البحرية في تنفيذ أوامره تاركين المهمة للصدف، مركزين جهودهم على دعم سلطاتهم في المنطقة، كانت سفن القرصنة وتجار الرق تجول في مياه الخليج دون أن تواجهها البحرية الملكية إلا عندما يقوم هؤلاء باستفزاز البحرية أو عندما يهدد هؤلاء القراصنة الحكومات المحلية ويتم رفع الأمر مباشرة للمقيم السامي في الخليج بالتنسيق مع لندن.

وقف الرئيس في واجهة السفينة الأسيرة بعد أن سلمتها قيادة السفينة الحربية أسبري ثم ابتعدت في مياه صور، كانت سفينة الخفر التي اقتادت البغلة الأسيرة بعد أن فصلتها عن السفينة أسبرى على مسافة من المرفأ قد غادرت هي الأخرى وتركت المهمة للرئيس لنج الذي استدعى عدداً من رجال الشرطة المحلية الذين اصطفوا أمامه على الرصيف فيما راح يتطلع نحوهم بنظرة بدت لهم أقل أهمية من نظرته لجنوده الانجليز التابعين للبحرية الملكية، لاحت ملابس هؤلاء الشرطة الملحقين بدائرة سلطان عمان، مهلهلة ورثة وكأنها الأسمال الوحيدة التي  يكتسون طوال الوقت، ولشدة الفرق بينهم كانوا يقومون بتلبية طلبات الجنود الانكليز كأنهم عبيداً في خدمتهم وهذا ما أشعرهم بالدونية وقد حدث ذات مرة أن تمردوا على الأوامر فأطلقت عليهم النار.

حينما بدأ إجلاء الرق من السفينة الجلفة فاحت راحتهم واكتظ الساحل كله بالعفونة، كانت الحرارة الشديدة الوطأة في أوجها والعرق راح ينزف عن الأجساد والتصقت ملابسهم وبانت أجسام النساء كالعرايا مما اضطر الرئيس لنج وبعض الجنود لسد أنوفهم فيما كشر رجال الشرطة المحليون بوجوههم، كانت الرائحة تنبع من الملابس والأجساد وراحت بعضهن تغطين أجسادهن بقطع قماش بالية فقدت ألوانها الطبيعية، كان الرجال بلحى ووجوه خشنة رغم وسامتهم، فيما بدت النساء والفتيات أقل رائحة من الرجال وبدا على بعضهن النظافة وهذا ما يفسره البعض من قيام تجار الرقيق بفرز النساء والفتيات واغتصاب بعضهن والاحتفاظ  ببعض منهن كعشيقات. بدأ الجنود بفرز الرجال عن النساء فيما بادر جندي آخر بحصر أعداد الجميع وقد بلغوا سبعة وثلاثون فرداً، خرجوا جميعاً من السفينة إلى الرصيف الدبق، أصدر الرئيس داود لنج أمراً بحجز السفينة وتم اقتياد طاقمها تمهيداً لتسلميهم للسلطة المحلية التي عادة ما تقوم بالإفراج عنهم مقابل فدية مالية ليعودوا مرة أخرى للمغامرة.

 

 

****