الشهر: أكتوبر 2026
من رواية “ابنة هوى” التي منعت في بعض الدول!

سرنا معًا متلاصقين تحفنا مظلة واقيّة من المطر يحركها تيار هواء قوي نسبيًا راح يُداعب شعر نرجس وهي حائرة بين الإمساك بالمظلة والحفاظ على خصلاتها، بدت في هذا الطقس البارد برذاذه وهوائه المسافة حتى نقطة وقوف السيارة كأنها بعيدة بعد الأرض عن السماء، انتزعتُ من يدها المظلة لأترك لها فرصة الاهتمام بخصلات شعرها البني اللامع وهو يتطاير بنعومةٍ في الهواء، تأمّلتُها بدقةٍ وعن قرب من وجهها المتورِّد حمرة فيما كانت تمشي إلى الهُوينا كتمثال أفروديت ذروة جماليّة أخاذة تقطر سحرًا من عينيها وتثير شبقًا نسمتها ومن كل حركة تنتئ عن جسدها الزلالي بأريجه الخلاب. حتى أنّني لم أُصدق بالمطلق أنها ملكي بأيّ وقت بالكيفيّة التي تُشبع غريزتي وقد انفجَرت بتلك اللحظة ونحن نبلغ سيارة الأجرة ونوشك أن نقتحمها. لم يخطر ببالي ساعتها سوى مضاجعتها كما فعلتُ أول مرة التقيت بها عارية، منذ يومها وأنا لم أعد أذكُّر الآن وبهذه اللحظة التي يبلّلنا المطر وتحيق بنا رائحة الأشجار المُحيطة سوى صورتيّ عفاف وفرح وصخب.
“لم ترد على سؤالي بعد، هل تُحبها؟”
خطر ببالي أنّني شفيت مؤقتًا من الورم العاهر…أجبتُها وفي نيتي أن أكون صريحًا، مرّرنا بطريقنا للفندق بقنالٍ مائي، مضطرب الموج على نهر الراين، تنساب عبرهُ عددٌ من قوارب وسفن وحركة الأشجار على الجهتين تعاكسها رياح باردة. نظرت في عيني نرجس بشهوةٍ مفضوحة لم تخفِ عليها أنها تشي عن ارتياح بعد موجات التوتر والقلق والانتظار…أجبتُها بلهفةٍ ووله:
“بل أحبكِ أنتِ نرجس ياسين وإلى الأبد فيما تبقى لي من وقتٍ”!!!
بلغنا شهر كانون الثاني، بدأت السماء بيضاء ناصعة، فجأة لمحنا فوقنا قبل بلوغ عتبة الفندق ندف الثلج تهديها السماء، شعرنا بأنّنا نُولد من شرفةِ سماء دوسلدلوف:
“ليتني أعود الآن إلى عفاف وأخبرها ولو بعد حين بندف الثلج التي كانت تنتظرها منذ سنوات.
قلت ذلك بالوقت الذي همَّت فيه نرجس بفتحِ مظلتها الشفافة، أمسكتُها من يدها ومنعتها من ذلك، تركتُ قطن السماء المُزخرَف يبلّلنا. همسَت نرجس في أذني بنغمةٍ موسيقيّة:
“غدًا أو بعدهُ ستشاركنا عفاف وفرح”!!!
“ويبقى الحبُّ حبًا …رغم كل عواصف الحياة”
“ستبقى غربة الأوطان ملاذًا في المنفى”

تنتحر الأحلام .. لكن لا تموت
الوطن والمنفى
روح حزينة بإمكانها أن تقتل الإنسان أسرع من جرثومة
جون شتاينبيك

*
القلب الذي أضحى اسفنجة تتشرب الألم، هل فيه متسعٌ من الأمّل
أحمد جمعة
I HAVE A DRAM –Martin Luther King
حياتهُ كلّها غيوم موسيقيّة وأمطار صوريّة وشخصيات خرافيّة وعلاقات ثورية وصلات عاطفيّة وآونة انفعاليّة، هي الحياة ملهمة أن تعيشها في عالمٍ أسطوري، يزخر بالثورات الدمويّة والجنسيّة، من لم يتحوَّل لكاتبٍ وهو يغرق في هذا العالم فلن يكون شيئًا يُذكَّر. اسْتسلَم لهذا العالم المُتشكِّل من شرفتيّ الجحيم والنعيم، فلا تأمّل بالوصول لمرفأ السلام التام، من أين يا تُرى يستوحي أو يقتبس الكاتب مادته من غير حياته؟
بالحبّ لا بالدكتاتورية!!
… للحبّ وجهًا واحدًا هو الحبّ، والثورة لها وجوه عدّة كما الدكتاتورية بوجوه عدَّة، منها الديني والسياسي والطائفي والعنصري والفاشي، هنالك الحبّ والثورة والدكتاتورية، لا تخفيهم الغيوم. خرجنا جميعًا من سجن الثورة والحبّ هزال الأجساد، غائري الجراح، جراح الثورات وجراح الهوى، أضف أيضًا لهما جروح الدكتاتوريات، هذا ثمن الحياة في مجرّة هنا أو هناك في بلاد تنتحر فيها الأحلام.
الحب كضوءٌ الشمس الأرجواني المتوهّج، مزيج سني السطوع بشفقِ الجسد كزنبقةٍ تختزل جسد العالم، لون الحزن كلون البهجة لو تأمّلنا،
اعتدنا في طور البحث عن الأحلام، أن ترافقنا الليالي الباردة، السهر عند الساعة الخامسة صباحًا، نحتسي القهوة والشاي، أو بقايا زجاجة النبيذ، نرفقها بسيجار أو سيجارة بكلِّ نفسٍ وتنهيدة وزفرة، كلّها في سبيل الاحلام، فقد دئبتُ على تدخين واحدة فقط بهذا الوقت من الصباح منذ أن كان عمري اثني عشرة سنة، ودهستها آخر مرّة منذ أن بدأتُ أتقيأ دم، حتى هنا لم تبدأ الأحلام بالسقوط ولا بالتراخي أو الترهُّل، بل، رحت أغذي أحلامي وأحلام غيري، وفجأة انزلقت قدمي وفقدت توازني…
تسلّلت أول خيوط الضوء رغم بعض الغيوم الجزئيّة وكان الوقت باكرًا بالصباح، نهضتُ وحدقتُ حولي لأرى ضباب كثيف لفّ المكان، المكان كلهُ، البحر والسماء والبشر، باختصار الوطن. أفقت حولي بعد كل ما رويتهُ لكم يلفني الضباب وسؤال لمْلم كل شيء من حولي:
“هل نحن هنا بالوطن أو بالمنفى؟ أم تأجَّلت الأحلام أم انتحرت؟!!