تنتحر الأحلام .. لكن لا تموت

الوطن والمنفى

روح حزينة بإمكانها أن تقتل الإنسان أسرع من جرثومة

جون شتاينبيك

*

القلب الذي أضحى اسفنجة تتشرب الألم، هل فيه متسعٌ من الأمّل

أحمد جمعة

I HAVE A DRAM –Martin Luther King

حياتهُ كلّها غيوم موسيقيّة وأمطار صوريّة وشخصيات خرافيّة وعلاقات ثورية وصلات عاطفيّة وآونة انفعاليّة، هي الحياة ملهمة أن تعيشها في عالمٍ أسطوري، يزخر بالثورات الدمويّة والجنسيّة، من لم يتحوَّل لكاتبٍ وهو يغرق في هذا العالم فلن يكون شيئًا يُذكَّر. اسْتسلَم لهذا العالم المُتشكِّل من شرفتيّ الجحيم والنعيم، فلا تأمّل بالوصول لمرفأ السلام التام، من أين يا تُرى يستوحي أو يقتبس الكاتب مادته من غير حياته؟

بالحبّ لا بالدكتاتورية!!

… للحبّ وجهًا واحدًا هو الحبّ، والثورة لها وجوه عدّة كما الدكتاتورية بوجوه عدَّة، منها الديني والسياسي والطائفي والعنصري والفاشي، هنالك الحبّ والثورة والدكتاتورية، لا تخفيهم الغيوم. خرجنا جميعًا من سجن الثورة والحبّ هزال الأجساد، غائري الجراح، جراح الثورات وجراح الهوى، أضف أيضًا لهما جروح الدكتاتوريات، هذا ثمن الحياة في مجرّة هنا أو هناك في بلاد تنتحر فيها الأحلام.

 الحب كضوءٌ الشمس الأرجواني المتوهّج، مزيج سني السطوع بشفقِ الجسد كزنبقةٍ تختزل جسد العالم، لون الحزن كلون البهجة لو تأمّلنا،

اعتدنا في طور البحث عن الأحلام، أن ترافقنا الليالي الباردة، السهر عند الساعة الخامسة صباحًا، نحتسي القهوة والشاي، أو بقايا زجاجة النبيذ، نرفقها بسيجار أو سيجارة بكلِّ نفسٍ وتنهيدة وزفرة، كلّها في سبيل الاحلام، فقد دئبتُ على تدخين واحدة فقط بهذا الوقت من الصباح منذ أن كان عمري اثني عشرة سنة، ودهستها آخر مرّة منذ أن بدأتُ أتقيأ دم، حتى هنا لم تبدأ الأحلام بالسقوط ولا بالتراخي أو الترهُّل، بل، رحت أغذي أحلامي وأحلام غيري، وفجأة انزلقت قدمي وفقدت توازني…  

تسلّلت أول خيوط الضوء رغم بعض الغيوم الجزئيّة وكان الوقت باكرًا بالصباح، نهضتُ وحدقتُ حولي لأرى ضباب كثيف لفّ المكان، المكان كلهُ، البحر والسماء والبشر، باختصار الوطن. أفقت حولي بعد كل ما رويتهُ لكم يلفني الضباب وسؤال لمْلم كل شيء من حولي:

“هل نحن هنا بالوطن أو بالمنفى؟ أم تأجَّلت الأحلام أم انتحرت؟!!