هوى العاشق، جرح ينزف بالهوى…لمن تُصلي؟ ومن أين؟ من مُدن السكر تغريني بالعيش فيها هربًا من العطش، أم مُدن القهوة.؟ فهي تمدني بالشهوة والإلهام للكتابة فيها هواء الروح…أما مُدن الملح المُتجمِّدة، فهي تنسيني مذاق القهوة السوداء تثير بيّ الشجن والحنين، وطعم النبيذ يسحرني ويسيل كلماتي ويفقدني أسلوب الخضوع للدكتاتور القابع بداخلي وهو يغريني بتجنُّب الجرأة…مدينة الرماد تبتلعني…يا للهول…
الكتابة حرية، ولكن أيّ مُدن تستوعب تعبك، أن تؤلف فيها ما يخالف الأعرف؟ أيّ المدن تستهوي خيالك الواسع وأنتَ تُحلق به مجانًا دون جواز سفر سوى جرأتك وحريتك وهما عملتان نادرتان بزمنِ البيع والشراء في الأجساد، فما بالك بالأرواح التي أضحت برخصِ الوبر لأن التراب لم يعد رخيصًا في مدنٍ تبتلع كل شيء وأوله الإنسان…أنتَ تغامر بالهرب واللجوء والنفي ولكن قلبك مع الحبيبة الأولى، مع العشق الذي لا ينتهي، تُصلي له وتعبدهُ وترسم وشمًا لا يُمحى حتى لا يا تستيقظ شهويتك بغتةً وتصطدم بحريتك…لا يمكنك فصل الحبّ عن الحرية…ممنوع عليك اليأس أنت بالذات، اختر الموت بديلاً للمساومة، فالهواء والهوى عاشقين لا فرق بينهما…في يومٍ عاديٍ لا يمكنك وقف النزيف وإلا تحوّلتَ لصنمٍ أو ورقة صفراء لا تنسجم مع القلم الحُر العاشق للحبيبة المنتظرة مع غيمة شمسية وعَدت بالمجيئ وما فتأتُ أنتظرها.
أسمَع في هذه اللحظة موسيقى شهرزاد لريمسكي كورساكوف…عالمك يغُص بالصور، بالذكريات…اهرب مع النزيف خارج مدينة الرماد…مدينة تزدرد الإنسان وتُعظم المال، تزاوج الفقر مع الدكتاتورية لا يُولد مدن وردية كالعاشقة التي تحلم بها…فالمدينة الحبيبة هي تلك التي لم توجد منذ وُلدت وحتى تُدفن، ما لم تقع المعجزة!! هاجر أو مُت في مكانك…أهرَب أو أختبئ عن الطاغوت، لمتي؟ أكتب بحبرٍ سري روايتك المستقبليّة، فدار النشر أُحرقت من قِبل دكتاتور قزم، له رائحة فم كريهة…اهرب ولكن في النهار! اختبئ ولكن في الضوء…إياك أن تستنجد بالظلام، فالظلام جزء من المؤامرة عليك وعلى عشيقتك المدينة المُغتصَبة…
هل لديك أُسرة مكونة من زوجة وأطفال؟ أنت جبان لا تقدر على الهرب. قف في ظلك ولكن تحَلّ بالجرأة وإياك الخيانة فهي برخصِ التراب…عندما تخون لا قيمة لك، لا تساوي حتى حفنة التراب التي تقف عليها…عالمك بارد…كئيب…دع الكلام المُباح وأطلق العنان لحروفكَ وكلماتك وعد لزمنِ الطفولة، سترى صورتك، عاريًا ولكن حرًا…هل فهمت لغزي حتى الآن أيها الطير المنفي بالوطن…!!!
لغة الثعابين البشرية تنتهك عذريّة الثقافة وتَرْجم الأدب برشاوٍ بخسة، لكنها بجيوب المتسولين بعتبات الثقافة المُدجَنة تعادل وزن الذهب ولهذا لم يعد للرواية والنقد والسرد عموماً تلك الومضة الساطعة، وإذا ما ثبت وجودها فقد انحسر عنها الاهتمام إذا لم ترافقها إكراميات صغيرة تُدَس بين حينٍ وآخر بشكل تذكرة سفر وإقامة بفندق مقابل مقال مديح مفضوح يبرز لجم الثمن مقابل الهدية، الثعابين البشرية ليست سامة فهي وديعة ورومانسية وتتعرّى ساعة يُطْلب منها كشف ما تملكه من إثبات على الردح بأيّ اتجاه يأخذها شراع الهرم الثقافي الرسمي وحتى الشعبي!!! فالردح غطي سوق عكاظ بالكامل ومعه سوق الفواكه والأسماك الكوكتيل المطلوب تغطيتها، فهل بعد ذلك ننتظر ثقافة تسود وتقترب من العالمية؟
لأننا نسأل لماذا لا نصل العالمية؟ ولأننا نستغرب من استبعادنا من المركز الثقافي العالمي وسجننا بالمحيط المحلي والعربي المحصور بين بضعة دول غنية وفقيرة سيان، تحتكر فيها المؤسسات الأدبية والثقافية الحبكة الدرامية لحفلات الرقص الثقافي، ينشأ الاستغراب والدهشة من انحصار الفعل الثقافي في إطار المحلية، ولم يكسر احتكار المؤسسات الرسمية والأهلية الثقافية المترهلة منذ سنين رغم فداحة الميزانيات المخصصة لها؟ الجواب، الفساد الأدبي والثقافي يعشعش بداخل هذه المؤسسات العربية الثقافية.
فساد الحياة الثقافية العربية لا حدود له فهو يشمل المؤسسات الرسمية والأهلية والمؤتمرات والفعاليات المختلفة، التي وقعت بآفة الفساد المستشري بالجسد العربي الذي خضع للتبادل الشللي، أقفز بيّ وأقفز بك، حتى صار القفز اللغة السائدة بساحة القفز الأدبية، فمن لا يستطيع القفز بالحواجز الرشاوية ولا القفز بالهدايا ولا يملك رياضة القفز فهو خارج حلبة القفز الثقافي، فبعد فساد الأمكنة السياسية والسياسيين امتد هذا الفساد واستشري بالحياة الثقافية بغالبية الساحات العربية والخليجية التي رزحت بأشنع مظاهر الفساد والتي فاقت حتى الفساد السياسي ولكن العين غضت عن الساحة الثقافية والأدبية لأسبابٍ عدة، منها عدم اهتمام الرأي العام بالساحة الثقافية، ولعدم توفر متابعين لهذه الظاهرة في لصحافة والإعلام، ولانغماس الكثير من أصحاب الأقلام والكتاب في هذا الفساد ذاته التي يكاد يغطي عموم الساحة العربية، دون أن يلفت الأنظار لأنه يتحرك بداخل أروقة سرية ومستجدة لم تمتد لها بعد عيون المتربص!!
ما الذي يجري داخل أروقة الثقافات السرية التي اقتصرت دوائرها على أعداد محدودة من المسئولين الذين تولوا شأن الثقافة والأدب بالمؤسسات الثقافية الأدبية؟ ثمة فقاعات تبرز بين حين وآخر يتم تغطيتها بسرعة هائلة وثمة مظاهر للفساد بداخل المؤسسات الأدبية الرسمية والأهلية لا يمكن الوصول إليها لأن القائمين عليها تمكنوا من تحصين قلاعهم طوال هذه السنوات بشلل وزمر من المراوغين من إعلاميين وصحفيين قاموا بالتغطية على تلك المظاهر الفاسدة بل والمشاركة فيها والتورُّط مع هؤلاء لأنهم ببساطة تم احتوائهم بهدايا ورشاوى على شكل دعوات وسفرات لحضور وتغطية الفعاليات التي يديرها هؤلاء المسئولين المستفيدون من توليهم قيادات هذه المؤسسات.
ما هي أهم مظاهر الفساد الثقافي والأدبي البارزة اليوم؟ والتي لا يمكن إخفائها، ورغم ذلك لا تجد صدى لإثارتها والوقوف عندها رغم انتشار رائحتها بالساحة الثقافية بالمنطقة العربية عموماً.
هناك فضائح أدبية يمكن أن تؤدي بسمعة بعض المؤسسات الأدبية العربية إلى الهاوية لو فتحت ثغرة داخل هذه المؤسسات وتحدث أحد الذين ينتمون إليها وكشف المستور، هناك أسماء كبيرة تبتز المسئولين للوصول إلى مراكز عليا بصنع القرار الثقافي، وهناك شخصيات تحتل مراكز أدبية وثقافية تربط نفسها بعلاقات شخصية بمسئولين عن مراكز إعلامية وثقافية وأدبية عربية وعالمية من خلال تبادل المصالح بالزيارات واللقاء وصرف التذكر والسكن بفنادق الدرجة الأولى، مقابل أن يجري ذات التبادل بين الطرفين، بمعنى أدعوني وأدعوك وهذا حاصل حتى على مستوى شخصيات أدبية وثقافية لامعة بالمنطقة وخاصة بين دول مجلس التعاون.
من الظواهر المقززة بهذا المشهد دفع الرشاوى لبعض الصفحات الثقافية الخاوية أصلاً لتغطية تلك الفعاليات التي تبرز أنشطة هؤلاء المسئولين بالمؤسسات الثقافية سواء الرسمية منها أو الأهلية وهذه الرشاوى تأتي على هيئة دعوات رسمية للفعاليات الثقافية والإعلامية مع ما تحمله من تذاكر سفر بدرجة رجال الأعمال وحتى بالدرجة السياحية لبعض مرتزقي الصفحات الثقافية مع سكن بفنادق درجة خمس نجوم وأربع نجوم وحتى ثلاث نجوم ببعض الدول العربية الفقيرة التي هي الأخرى ابتلت بهذه الآفة.
لم يعد قلم الأديب ونتاجه ومضمونه المغزى من الإبداع بل المهرجانات الاستعراضية الاستهلاكية التي دمرت الإبداع وحولته لمولد ابتزازي يجمع كل النسيج النفاقي تحت طاولة واحدة بالفساد، لا يعني ذلك بالطبع اختفاء الإبداع من الساحة، على العكس من ذلك هناك بين جبال النتاج الاستهلاكي تكمن ومضات خاطفة من نتاجات إبداعية أثرت الساحة ونافست الأعمال العالمية وشقت طريقها نحو القمة وفي هذا عزاء للذين يشاهدون حفلات الزار الثقافية التي تقام على هامش مهرجانات ومعارض وحفلات وموائد عقيمة مكتظة بالأكل في المطاعم والنوم بالفنادق والسفر بالطائرات تصحبها حفلات خرافية تعني بتوقيع وتدشين الإصدارات حتى لو كانت نفايات المطابع الرخيصة التي تطبع إسفاف الدجالين فالمهم أن تخرج عن الورق والحبر أعراس ثقافية مشوهة تواكبها تغطيات إعلامية كئيبة مدفوعة الأجر بشكل هبات ودعوات فكثير من الصحفيين الطارئين مستعدين لتغطية هذه المهرجانات مقابل أكل وشرب ونوم.
حين تسافر لبلادٍ نائية عن محيطنا تحترم الورق والحبر وتزور خلالها مكتبات ومتاحف وصالات عرض ترى بغبطة الفكر والفن والأدب والثقافة برصانة لا يضاهيها الذهب ولا يوازيها شيء سوى الإحساس بالإنسانية والحضارية، لا شيء من النفاق ولا الفساد وإذا وجد فاسد أو ظاهرة شاذة لا علاقة لها برصانة الفكر والأدب سرعان ما يمسحها زلزال النقد الصارم الذي لا يسمح بمرور أنصاف الثقافات، لهذا نشأت مناخات عالمية خلال العقود المنصرمة لأن الثقافة هناك لا تحتمل الإفساد، فكل شيء يمكن أن يتسلل له الفساد إلا الثقافة لأنها هي ذاتها تمحو الفساد بأي مجال.
المنصة القائمة عندنا بعالمنا العربي والخليجي على ثلاثة أعمدة فقط، هي التي تزدهر عليها النتاجات الصادرة من فوهات غريبة المصدر وتستولي بالمناسبات على منصات صغيرة متناثرة بقوائم مشوهة تستحوذ على الأعراس المسماة بمنصات التدشين!! واووو، حفلات تدشين من غير شمبانيا كيف نحتفل؟ ولكن الحفل يستمر طوال فترة المهرجان وينشده القاصي والداني ويشتبك مع حفلات الزار التي تُسْفك على منصاتها تواقيع الكوكتيل بلا خجل من نجيب محفوظ ولا أدنى احترام لطه حسين ولغيرهم ممن رحلوا ولم يركبوا المنصات المعوقة ولم يشهدوا حفلات الزار المغشوشة التي صدق زوراً من أقاموها بأنهم أصحاب القلم.
الترجمة من العربية للغات الأخرى وتحديدًا الإنكليزية، خرافة واقعية مقارنة مترجمًا بمكانة صالح علماني، الإسبانية، منير بعلبكي الإنكليزية، وقليلون يؤلفون الترجمة كما لو كانوا هم الروائيين المبدعين. مرّرتُ بحسرة بعد طوفان التجارب النووية لترجمة نص روايتي يسرا البريطانية، وكأن المطلوب عالم لغات فضائي حتى يتأهل لمستوى الخرافيين المبدعين من أمثال علماني.
البداية مترجم زكتهُ دار النشر العريقة التي نشرت الرواية وأغلب رواياتي الأخرى مشكورة، وقبل أن يبدأ سقط نيزك من السماء وأوقفه، فرشح مترجم معروف ولديه خبرة طويلة وبدأ العمل بجزءٍ من الرواية، فأوقفته وأبلغت دار النشر بنسخة من الترجمة فكانت سطحيّة صادمة نقلت بلغة الصحافة. فأعذرت المسئولة وأخذتُ المهمة على عاتقي حتى وضَع القدر صدفة مترجمة خبيرة وقارئة للروايات وتدير مكتب للترجمة بالإضافة لمعرفة اجتماعية. قطعت شوطًا في ترجمة فصول من الرواية، رأيت فيها نكهة غرائبية تكاد تجاري الرواية، سعدت بذلك وبعثت الفصول المترجمة لصديق مخضرم شيخ في الترجمة غير الأدبية ولكن نظرته الثاقبة وحدها تكشف ثنايا وأسرار العمل. فجاءت الصدمة مطابقة لملاحظات دار النشر الأجنبية من حيث عدم مطابقة فقرات من الرواية إضافة لسقوط بعض الفقرات وعجز عن ترجمة مفردات مجازية صعبة!!
آخر محاولة كانت قراءة من صديق أجنبي يحمل الجنسية الغربية ومعرفة قديمة عمل بترجمة الأشعار خاصة، قال بالحرف: هذه الرواية بحاجةٍ للمترجم الذي درس المجاز وقريب من العمل بقدرك أنت.
آخر رأي متطرف سمعته وهبط عليّ مثل كابوس هاري بوتر وكدت أقتنع به لولا حاجز المنع الشائك الذي سدّت به الطريق ابنتي وهو: انشر العمل على أيّ حال بالترجمة شبه المكتملة واترك المجهول أو الغيب يحدد المدى، من يعلم ربما هذا الذي سيحقق الإنجاز، نحن في عصر القراءة السريعة والسهلة الممتنعة، هل تظنّ أن كل الأعمال العربية المترجمة واجهت مثل هذه الاختبارات العصية التي يضعها المؤلفون؟ هناك من يحلم بأقل من ذلك، غير ان الابنة الحصيفة قالت: ستوب أوقف المهزلة ودع الرواية ترقد في سلام وسكينة حتى يحين موعد استيقاظها.
هل نحن بزمنٍ عربي منحط ثقافيًا فقدنا فيه كرامة الأدب حتى سبقتنا القارات الخمس بطي ملف الترجمة للغات الأجنبية…لا حكومات عربية، لا مؤسسات ثقافية جادة مؤهلة سوى لترجمات الجوائز، ركيكة وغير مجدية، سؤال صعب الإجابة عليه مؤكد: ما فائدة ترجى من ترجمة رواية عربية من قبل دار نشر عربية؟ ما الفرق بين النسختين العربية والأجنبية سوى تفاهة النسخة المترجمة لتسقط معها النسخة الأصلية، وهذه خسارتان في مهب الريح.
دور نشر عربية أكثر من الكتاب، لا تكاد تكشف صخرة حتى ترى تحتها دار نشر بعضها تبدو حقيقية من الظاهر ولكنها مجرّد وكر احتيالي تصطاد المتطفلين على الشهرة والحالمين بغلاف واسم على أيّ حزمة أوراق صفراء تحت مسمى رواية أو ديوان أو أيّ ترهات. الظاهرة منتشرة كلما اتسعت قافلة من يتطفل على الكتابة وهي ظاهرة تفسيرها سهولة النشر طالما دفعت مبلغًا أنت وحظك وسبب ومحرض هذه الظاهرة الاعتقاد السائد بأن الكتابة والتأليف ما هما سوى عناوين مثيرة توقع القارئ بكمين اللصوص والدجالين، دور نشر ونقاد ومواقع الكترونية، هذه الظاهرة منتشرة مؤخرًا وكادت تطغي على بضعة دور نشر حقيقية صارمة.
النقد…يا للهول، حدث ولا حرج. أسماء بعدد نجوم الظهيرة مهمتها التظاهُّر بالكتابة والقراءة والبحث والتحليل وتنتهي بترهات…النقد مات تمامًا ولا يوجد سوى بضعة أسماء ترى نفسها فوق التل والجبل ولا تقترب سوى من أسماء كغابرييل غارسيا ماركيز ونجيب محفوظ حتى تمنح نفسها بريق على أنها نقاد بمستوى هؤلاء الكتاب وعندما تبحث في تفاصل نقدها تكتشف سطحيتها برغم علامة الدكتوراه في النقد وهي في الواقع عاجزة عن الوصول لفهم القراءة وتستغرب عندما تستقبلها القنوات الفضائية بمقابلات لكونها تحمل رتبة جنرالات وحتى مارشالات أدبية!!
القراء…كارثة الكوارث وهناك إعلان عن انقراض القراءة الصحية ذات الخمس نجوم إلا من بقايا جيل القراء المتبقين صدفة، فغالبيّة القراء ومن ورائهم المنشورات المتعددة الجنسية العربية ذات الإثارة وربما بعض الأسماء البراقة تجتذب هؤلاء القراء الذين سلط عليهم هاجس البحث عن روايات أغلفتها وعناوينها وأسماء دور نشرها تدغدغ القراء الذين تستهويهم مجرّد الهواية تملأ فراغهم، فقد انقرض قراء القرن الماضي وحلّ قراء عصر الإيقاعات الراقصة! بالطبع لا يعني ذلك خلو الساحة من قراء يتحسرون على واقع مزرٍ ارتفعت فيه عناوين تدغدغ الفضول وليس العقول.
موجز يلخص الواقع السريالي. أعداد هائلة من دور النشر، آلاف الكتاب بأنحاء الكوكب العربي، وأقل أرقام نقاد يحملون الاسم وينتهزون الاهداء المجاني لهم لتسطير بضعة سطور زئبقية تدغدغ مشاعر كتاب حالمين بالشهرة القادمة مع الرياح الموسمية، لتطير في فضاءات النسيان، وهكذا بلغنا حافة الهاوية ولا تكاد تثق بالنجوم والكواكب والمجرات المتعلقة بالتأليف والنشر والتوزيع والنقد مما دفع من يرى هذه الحالة الغرائبية ذات الانتشار الأسطوري!! للاعتكاف عن القراءة ومراجعة النشر وتجنب القراء والنقاد الطارئين على الساحة.
لا يختلف الروائي عن الخالق، سوى في المعاناة، الأول صنع المعاناة للآخرين والثاني اكتسب المعاناة من صنع الآخرين. ما يعنيني ومقالي بهذه الزاوية من الكتابة الآن هو الخالق الثاني، الروائي الذي مهمته عسيرة وليست سهلة بقدر مهمة الأول الذي شكل الكوْن وسرد الأديان، فالثاني الروائي، لا يختلف في مهمته عن الأول بالسرد، بخلق العالم أولاً ثم زرعه بالأحياء، الأبطال والكومبارس، تمامًا كما في العالم الأول، فقراء وأغنياء… يشتمل عالم الروائي بالرغم من الأجواء والمناخات الرتيبة، بذور الخلق الأولى، خلق البنية البشرية، رجال ونساء، أزواج وعشاق، راهبات وعاهرات، أبناء وأحفاد، مجرمين وقضاة، حكام وشعوب، ثم تتطور الرواية وتنشق عن أجيال وأجيال كما في روايات الأدباء الروس، تولستوي وديستوفسكي وكما في مخلوقات غابرييل غارسيا ماركيز وخلقه السحري الشنيع، ثم انقلابه على الأجيال وانعاشهم بحروب وصراعات، حتي يبلغوا بدايات النهايات، عوالم وروائيين آخرين مثل جون تشاينبيك وغيرهم بمثابة خلاق قاسين حينًا ورؤوفين نادرًا…
لا يختلف الروائي عن ربّ البشرية في صناعة العوالم المهدورة بالحوادث والكوارث ونادرًا ما تكون بميزان الكوميديا السوداء، وفي بساطة تقترب من المعجزة، يكتمل عالم الخلق الروائي، بحياة وموت وإصابات، ثمة أعراس وأفراح ولكن سرعان ما تنقلب مع رياح معاكسة إلى كوارث وهذا يدلّ على مزاج الخالق، الروائي، ما أذا كان يعيش بمجتمع منطويًا قائم على التقاليد والخرافات والتابو، والمحرمات، وانعدام الحريات، خالقًا دكتاتوريات كما هو في عالم الأول، فالدكتاتوريات بالعالم الثاني الروائي لم تأتِ إلا لأنها نشأت في عالم الخالق الأول، الربّ ومن هنا نسخ الخالق الثاني الروائي عالمه على نمط العالم الأول…
ثمة نتيجة تبرز نتاج ذريعة متعلقة بالخالق الثاني وربما لا توجد لدى الخالق الأول وهي معاناة تنبع بالخلق المتوتر، المشحون بوطيس حرب شنها الخالق الروائي على ذاته بصدد خلق عالمه الروائي…فأسوأ ما نتج عن هذا الخلق، الإبداع، لدى الروائي المقتحم للمسكوت عنه والخارق للمحرمات ومتحدي الدكتاتوريات، هي معاناة نتيجة الآلام الجسدية والنفسية والأطوار الغريبة نتاج غوصه الدائم وهو بصدد خلق ابطاله وأمراضهم وعلاجاتهم، موتهم وحياتهم، مقابر جنازات ونعوش وصدامات وحروب، أجواء ومناخات يخلقها الروائي تنعكس عليه شخصيًا بثمنٍ باهض نتيجة هذا الإبحار بالخلق…ولكن لن يشكو مما يعانيه أو يتعرض له طالما هو الخالق، فلا يشكو…
من يلبي دروس صنع الرواية غبي، ومن يتلقى الدرس أحمق، الرواية ليست حلوى بالكاراميل، فمن لا يخشى الماضي ولا يأبه بالحصار ولا يتوجس من المستقبل المجهول وحده يملك مفتاح مدينة الرواية المسوّرة بالألغام والمحاصرة بقوافل القلق ومدجّجة بالآلام. ما أهون القول، الناقد هذه رواية لكن ما أصعب أن يبحر الروائي بمجهولها ويفني زمنه بين أسوارها. عندما تنسج رواية بعد ممر زمني عميق، مقطّع الأوصال وإثر تجارب خرافيّة فيأتي من يعلن عن منح دروس في الرواية!!
بعضهم يفني حياته، قلة من المجانين، المهوسين بالتعبير يجتازون الخط الفاصل بين الموت والحياة بمجازفات يعبرون فيها مشبوهين في أعين حرس الحدود، يختبرون فيها كيفيّة التسلُّل لولادة الرواية، يعبرون قاعات الترانزيت بمطارات العالم…لا يخشون طبول دقات القلب، يجازفون ومعهم أحلام اليقظة وهم ينفون من أوطانهم او يهربون منها وربما يعيشون المنفى فيها حتى تولد السطور الداميّة ويراكمون الكلمات الوحشية بالنعومة، كما الغابات وهي تحتضن الأسود والغزلان وتخلو من قوانين البقاء.
مرارًا يسألني بعض القراء، لماذا لا تتحدث كالآخرين عن تجربتك؟ ههههه…تأتي اجابتي مختزلة الصمت وابتعادي عن مولد الأضواء الباهرة وهي تسلط شحيح غروبها على الترهات…لأن الروائي لا يسرد آلامه خشية البوح بأسراره، والرواية هدية القارئ يكتشف أسرارها، فأيّ أحمق يبيع الرواية بتصريحات غبية قبل أن تقترب من خط التماس مع القارئ؟ أيّ روائي غبي يتبرع بل يفشي في ليلة شحيحة الضوء الغريزي، تفاصيل آلامه ومجازفاته لقراء أغبياء يشترون مضامين الروايات قبل أن تلامس أناملهم السطور المؤلمة.
الكوميديا السوداء بظني ليست وقائع الرواية كما أراها من شرفتي بعزلةِ سديمية، الكوميديا الرمادية تلك البهرجة والزيف المركب بين كاتب معجون بالنرجسية لرؤية صوره وافشاء تجاربه وإباحة سطوره مع تعرّية روايته إن كانت رواية على الملأ دون شعور بأن الرواية مخلوق سري لا يكشفه إلا من غاص في عزله معها من دون ضوضاء، فالرواية الجريحة نسيج آلام ومعاناة متمثِّلة فيما يصيب الروائي من آثار الثمالة بعد ولادة سطورها المريرة. ثم يأتي من يظنّ باسم النقد والإباحية الإعلامية يبتغي برخص التراب أن يفشي الأسرار. تبًا للنقاد الذين يظنون أن وظيفتهم فضح الرواية لتبرير نرجسيتهم، لهذا كله فضلت العزلة على أضواء المدينة الفيك، وأقسمتُ ألا أرشي ناقد من أجل تسوُّل كلمات زائفه من محفظته المُفلسة. الموت للنقد… وأترك العالم وراءك وأكتب بحرية.