زهرة في (الخراف الضالة) مقطع من الرواية

[مقطع من الرواية]

الخراف الضالة - رواية

زهرة في (الخراف الضالة)

خلعت زهرة حجابها الخفيف الذي بالكاد يخفي تخوم شعرها الأسود من الأمام وأسدلت ستارة نافذة غرفتها المطلة على الطريق الضيق الفاصل بين ممرين ينعطفان على سلسلة من المنازل المرصوصة بداخل الحي القديم بسترة لتتجنب سماع الأصوات المفزوعة والمضطربة التي تتداخل مع أصوات الطلقات النارية وفرقعات مسيلات الدموع التي ظلت تتوالى طوال اليومين والليلتين الماضيتين، تسمرت أمام المرآة جاحظة العينين ساهمت النظرات يطبق عليها الوجوم وهي تتأمل شعرها المسدول ينتابها حدس مخيف يوغل فيها رغبة جامحة بصبغ شعرها إلى اللون البرونزي كالذي تأملته قبل قليل في إحدى المجلات الأجنبية لتغطي بذلك على حالتها النفسية المضطربة يخامرها شعور مبطن بأن اللون الجديد سينزع عنها حالة الكآبة الشديدة التي سببتها الأصوات المتداخلة للعربات والطلقات والصرخات المنبعثة مع ولوج القوة الأمنية القرية فيما تتلألأ السماء من فوق سطح الدار بأضواء حادة كالشهب تتشابك مع الظلمة المنحدرة إثر انقطاع الكهرباء بعد اقتحام قوات الأمن الخاصة الشوارع والطرق بالقرية، كان الليل يبدأ مبكراً والضجيج ينزلق مع كل دقيقة تمر فيما تطل فوهات لبنادق يحملها رجال يجوبون الطرقات مع هدير أصوات العربات الأمنية، فتختفي على أثرها كل حركة في الطرق فيبدو المكان أشبه بغابة إسمنتية تتخللها روائح الغازات مختلطة بروائح الطبخ المنبعثة من نوافذ المنازل التي بدت بعضها شبه مهجورة من الحياة حيث غادرها البعض إلى مناطق أخرى وقيام البعض من الأهالي بإغلاق الأبواب والنوافذ عليهم مفعمين بالصمت المطبق بين بعضهم البعض، يجتاحهم ذهول لما يجري حولهم.

عالم زهرة ضاق إلى حجرة صغيرة مع تلفاز وجهاز لبتوب  وهاتف من نوع بلاكبيري وحمم من مشاعر محتدمة تجرفها مع سيول من الحزن والذعر الداخلي المصحوب بكآبة فقدان الحب الذي ولد ومات بسرعة الريح التي بذرته في فضاء الدم والتيه، كانت مضطربة وهي تواجه ذاتها في غرفة منعزلة فوق السطح سكناها بعد أن ضاق بها الطابق الأرضي هي وأخوتها وشقيقاتها المكدسين في فناء منزل صغير على أطراف القرية مقابل سلسلة المنازل المترامية الأطراف بالحي القديم، كانت صدمة نهاية الحلم بالثورة قد سفكت روحها مع تزامن ذلك بانفصالها عن حمد في ذروة نشيج العاصفة التي اجتاحت البلد، من يومها دخلت في بيات ليلي مع أدوات الاتصال في نحيب داخلي مروع يقطعها إلى شظايا من ألم موجع بلا دموع، فقد ظلت محبوسة في مقلة عينيها، فكانت تندس في الفراش وتغط في غيبوبة مستخدمة كل وسائل التنويم من أقراص وسوائل السعال المخدرة مستنجدة بالنوم للتغلب على أفكاره السلبية الموغلة في السوداوية تأخذها في خيالات جامحة بين فترسم سيناريوهات قاتمة في عقلها الواعي ليتسلل إلى عقلها الباطن فتنبثق عن ذلك مشاعر موحشة أكثر سوداوية من الأفكار ذاتها التي أنتجت تلك الأحاسيس التي أشبه بفيضان عارم من الألم الناتج عن خيبة الأمل التي مرت بها مع المئات من جيلها ممن راودتهم الأفكار الثورية التي نسجتها وسائل الاتصال الاجتماعي مثل الفيسبوك والتويتر وقد جنحت في بداية الأحداث بانفعال في الانخراط بالنشاطات الاجتماعية التي رافقت الحركة معتقدة أنها الثورة فارتمت في قلب الطوفان فشاركت في الهتافات وبعثت الرسائل وقامت بتوزيع النشرات ورددت الشعارات ولم تكن تدرك مسار الأحداث، كانت روحها تتوهج ببهاء المشهد مقترنة بالعاطفة التي تكنها لحمد منذ ما قبل الأحداث، ثم صحت على الانفجار العاطفي بين الناس فأيقظ ذلك شعور الفئات المختلفة من السكان بغضب والتوتر وساد القلق فبدأ حسها ينعطف نحو الخوف والترقب مما تحمله الأحداث ولكنها ظلت منسجمة مع التيار وما حمله لها من تحرر من قيود المنزل وأسئلة الأهل فظلت تغيب عن الدار بالساعات ثم بالأيام وتبيت خارج المنزل حتى تمكنت لأول مرة في حياتها من الشعور بالحرية في الخروج والسهر والغياب فانعطفت لديها المشاعر نحو فك القيود الاجتماعية، كانت تنظر للأمر من زاوية الإفلات من أسر القيم التي عاشتها طوال سنين عمرها العشرين وأوشكت على ولوج الحرية المطلقة مع انفلات الوضع الأمني الكامل الذي تمثل في نحول الدوار إلى مأوى للنفوس التائهة والهائمة فاستباحت لنفسها فتح الأشرعة على مصارعيها وأرخت مشاعرها لتنطلق بضراوة فشطت مشاعرها إلى أن اصطدمت في الأيام الأخيرة مع اتساع رقعة الاحتجاجات وأعمال العنف واحتلال الشوارع والمرفأ المالي فبدأ يتسلل إليها الشك ولكنها ظلت تساوم الظنون التي أخذت تتسلل إلى ذهنها المشوش وزاد من ذلك تقاطع هذه الأفكار مع عاطفتها تجاه حمد الذي كان بداية نقش عاطفي جارف رأت فيه مرفأ لحياتها التي كان منذ البداية مشوشة وبلا هدف إلا من حدس ينبئ عن سير العلاقة معه باتجاه النضوج مدفوعة بشرارة العاطفة إلى أن بدأت تدرك حينما تضع رأسها على الوسادة بالأيام الأخيرة للأحداث انحسار الشعور بالأمان مع ظهور الدبابات وللعربات المسلحة وحشود القوات المدججة بالأسلحة تملأ الشوارع والطرقات التي كانت قبل فترة شبه خالية من هذه المظاهر.

رأت في زهو الليل واجتراح العتمة على تخوم الحزن الدفين حين ينقطع سبيل النوم وتشبع روحها من لظى الوحدة وانحسار الأصوات والضجيج والحشود التي كانت تحيط بها وسط كثافة الأناشيد والنقاشات والجدل بين النفوس المنفلتة بلا حدود، فباتت الآن وحيدة يراوغها ليل ضاعت من حواشيه الغيوم الممطرة التي كانت تبلل ظفائرها عند تخوم الدوار فأيقنت من ضياع الحلم ومذاق نبيذ الحب الذي ابتلعه الطفح الطائفي فسدت الدروب في عقلها الصغير الذي استيقظ على مجدٍ فقد أيقونته المكسوة بالعاطفة الملتهبة، فبدأ لها الأمر وهي ترقد قاطنة اليأس المتسرب لها من كل الجهات كأنها اهتدت لسرب نجوم السماء التي لم تلاحظ خلال تواجدها بالدوار مسار هذه النجوم فاجتحتها ذكرى مجد الحب الذي كانت خلاله تخوض وحل الطين عند سفوح المرفأ القديم المحاذي للبحر وهي ممسكة بيد حمد وسط عتمة التخفي الليلي وعينها على كل ضوء متسلل من بعيد خشية انكشاف أمرها، فأيقنت أن لذة الخوف الذي كان ينتابها حينذاك كان أروع ما مر بها في حياتها.

أصبح الليل والغرفة العلوية المعزولة عن بقية المنزل وسط سطوع أضواء الطائرات العمودية التي تحوم من فوق وأصوات العربات والغبار الخانق المنبعث من الشارع ملاذ تقاطع مع مرارة فقدان الحب فأوغلت في الخيال المصطنع الذي نسجه عقلها الباطن وهو  يلح عليها للغياب في خدر دائم يشكل لها ملاذاً من الألم، فتماهت مع الأفكار التي تولد مشاعر خفية تساعدها على الهروب من الواقع فراحت تتسلل إلى بداية العلاقة مع حمد واستعادت ضراوة النشوة وبدأ عقلها يشتغل على الهروب..

 ( توزيع المكتبة الوطني البحرين)

****

 

 

الخراف الضالة .. رواية احمد جمعة الجديدة- سرد معاناة الحب في زمن الدم

 

الخراف الضالة .. رواية احمد جمعة الجديدةالخراف الضالة - رواية

في 430 صفحة من الحجم المتوسط صدرت مؤخراً عن دار الفارابي في بيروت رواية احمد جمعة الجديدة ( الخراف الضالة ) والتي تدور أحداثها منذ 14فبراير 2011 مع بداية شرارة المحنة التي شهدتها البلاد وعصفت بالبحرين وأحدثت شرخاً اجتماعياً واسعاً.

تنقسم الرواية الى فصول عدة تتناول الشريحتين الاجتماعيتين الغنية والفقيرة المدقعة التي تعيش قاع المدينة وانعكاس الأحداث عليهما من خلال صراع اجتماعي وسياسي ونفسي يتجسد في علاقات عدة بما جرى عبر الأحداث التي مرت وخاصة ما وقع منها خلال حالة الطوارئ وما شهدته تلك المرحلة من وقائع منها علاقة عاطفية بين متحابين من كلتا الطائفتين وتداعيات الأحداث عليهما

تغوص الرواية في زمن البحرين منذ القرن العشرين وبدايته عبر توظيف المونتاج السينمائي في استجلاء الأحداث التي شهدتها البحرين منذ تلك الحقب السحيقة من خلال شخوص ورموز عاشت تلك المراحل وعاصرت الوقائع الأخيرة.

تبدأ فصول الرواية عشية المظاهرات والمسيرات التي مرت بها البلاد ولا تنتهي حتى الساعة اذا تظل أحداثها مستمرة حتى بعد الانتهاء من قراءة الرواية.

صدرت عن دار الفارابي من بيروت رواية ( الخراف الضالة)                                                         

لأحمد جمعة

الرواية تسجيل روائي لأحداث البحرين منذ فبراير 2011 حتى اللحظة

تقع في 430 صفحة

في المكتبات 

 

 

 

توزيع رواية ( الخراف الضالة ) في مكتبات لندن القاهرة

توزيع رواية ( الخراف الضالة ) في مكتبات لندن القاهرة 

نبذة عن الرواية                                                                           غلاف الخراف الضالة 0077

تقع في 422 صفحة من الحجم المتوسط صدر مؤخراً عن دار الفارابي في بيروت وتدور وقائعها في البحرين  عبر تقنية فنية توظف المونتاج السينمائي للأحداث منذ 14فبراير 2011 مع بداية شرارة الأزمة السياسة التي عصفت بالبحرين وأحدثت شرخاً اجتماعياً واسعاً.

تنقسم الرواية الى فصول عدة تتناول الشريحتين الاجتماعيتين الغنية والفقيرة المدقعة التي تعيش قاع المدينة وانعكاس الأحداث عليهما من خلال صراع اجتماعي وسياسي ونفسي يتجسد في علاقات عدة بما جرى عبر الأحداث التي مرت وخاصة ما وقع منها خلال حالة الطوارئ وما شهدته تلك المرحلة من وقائع منها علاقة عاطفية بين متحابين من كلتا الطائفتين وتداعيات الأحداث عليهما.

تغوص الرواية في زمن البحرين منذ القرن العشرين وبدايته عبر توظيف المونتاج السينمائي في استجلاء الأحداث التي شهدتها البحرين منذ تلك الحقب السحيقة من خلال شخوص ورموز عاشت تلك المراحل وعاصرت الوقائع الأخيرة.

تبدأ فصول الرواية عشية المظاهرات والمسيرات التي مرت بها البلاد ولا تنتهي حتى الساعة اذا تظل أحداثها مستمرة حتى بعد الانتهاء من قراءة الرواية.

(قمر باريسي) للروائي أحمد جمعة – المتكأ الثقافي// <![CDATA[

في رواية (قمر باريسي) للروائي أحمد جمعة.. بحث الطبيعة النفسية للشخصيات يفضي لاكتشاف سرية المجتمع

[imgr]http://www.mutak2.com/vb/uploaded/78_20-6-2009_p14-1.jpg[/imgr]رؤى ـ مهدي سلمان: أبطال رواية (بيضة القمر) للروائي البحريني أحمد جمعة يفاجأون في أولى صفحات روايته الجديدة (قمر باريسي) الصادرة حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في 350 صفحة بـ (كارتونة حليب كبيرة, بجانب كارتونة معجون طماطم فارغة..) فيها مولود مجهول دثر بقماش أبيض هندي خفيف, بالرغم من برودة الطقس. هذا المولود سيكون مادة للشائعات والأحاديث لوقت طويل, هذه الشائعات تلهي سكان الحي الذين يهيمون في الأزقة بحثاً عن فضيحة ما, تلهيهم عن حالة الضياع بعد أن اكتسحت البطالة الحي, وانتشرت (زجاجات الخمر) المهرّبة والمسروقة والمتاجرة بها فيما بعد, ويوغل أحمد جمعة في تفاصيل أكثر تصف مشهد الحي فيقول (في هذا المناخ الذي ساده الشك والريبة وتبادل النظرات التي تكاد تسرق من الآخر روحه الحقيقية, وتنزل به فزاعة تطارد خيالات المنبوذة.. سرق العقل من الناس, وهم يتحلقون في الملاهي والطرقات والزوايا). هكذا يدخل جمعة إلى أجواء الرواية الجديدة, بصدمة لأهل ضاحية حي الحالة الجنوبية المحاذية لأطراف السوق, وبمادة للحديث لهم وللشائعات, ومنذ البداية يترك أحمد جمعة القارئ في حيرة, بل ويدخل معه إلى هذه الحيرة, عبر لغة قادرة على اقتناص التفاصيل من دون الذهاب المجاني فيها, وعبر اشتغال على (ألعاب) سردية تحفّز على تصاعد الحدث في كل فصل من فصول الرواية الأربعة عشر, دون أن تكون هذه الألعاب غاية في حدّ ذاتها. (مبارك) اللقيط الذي ربته (نعوم) يكشف وجوده عن عوالم سرّية جداً في حياة ذلك الحيّ, وارتباط فيما بين الرواية الأولى (بيضة القمر) والثانية (قمر باريسي), ومبارك أيضاً يكشف كما شخوص الرواية أغلبهم عن ذلك الخلل النفسي المتعلق بالجنس في المجتمعات المغلقة, وأحمد جمعة في هذه الرواية يدخل إلى هذه العوالم المغلقة بجرأة شديدة, ويحاول فكّ أسرار هذه العلاقات الغريبة في المجتمعات المغلقة بحرفية إجتماعية ونفسية, فهو من جهة يحفر في طبيعة الشخصيات وبناءها, وفي تكوينها الذي يفضي بها إلى التصرّف على نحو غريب, ومن جهة أخرى هو يوجه هذا البناء النفسي للشخصيات في سبيل الكشف عن طبيعة المجتمعات السرية والمغلقة, يحاول أكثر فأكثر الدخول إلى أبعاد غير مألوفة لدى الحديث عن هذه المجتمعات, وربما هذا جعل أحياناً بعض الأحداث في الرواية تبدو (غير معقولة) أو فلأقل (غير متقبلة) ربما لأنها تفضح بشكل جرئ جداً وغير معتاد شخصيات أخرى تشي بها شخصيات (قمر باريسي) حاضرة في كل المجتمعات المغلقة. حين يشبّ مبارك ويبدأ باكتشاف جسده, تصدمه حواجز كثيرة تمنعه من هذا الاكتشاف, فيوغل في أشكال مختلفة من محاولات الاكتشاف تفضي به إلى أن يتخذ (صاحباً!!) هو وليد, بينما لا يمتنع عن ممارسة عاداته السرية عندما لا يكون وليد موجوداً, وهكذا يذهب جمعة في كشف هذا العالم بصبر عالم, وتحضرني عبارة الروائي غوستاف فلوبير (إن الأدب يجب أن يكون دقيقاً مثل العلوم) وهذا ما يفعله جمعة في هذه الرواية, وربما لذلك استخدم لدى تقسيمه للفصول تقنية الاشتغال على الشخصيات ليخلص منها إلى نصه الروائي الذي يقرأ مجتمع تلك الفترة. ويبدأ جمعة في الحفر في الشخصيات (نعوم) التي هي الأخرى تكشف عن هذه العلاقة القلقة فيما بينها وبين جسدها لدى ارتهانها لشخصية (سلمان), (لطوف) في علاقتها مع (نسيمة) وكذلك نسيمة في علاقاتها الخفية والسرية, وكذلك في علاقتها مع مبارك, خليفة الذي يندفع بشدّة نحو نعوم, كل هذا الركض المستمر نحو الجسد أولاً والعاطفة ثانياً, يجعل من رواية (قمر باريسي) رواية تبحث في هذه المنطقة بدأب شديد, وبالرغم من أن جمعة كان أكثر صفاءاً لدى دخوله إلى الجوانب النفسية لشخصيات الرواية, إلا أنه أيضاً حين يحبك الحدث فإنه يحبكه بغواية شديدة, وقدرة على التوغل فيما بين فترتي (بيضة القمر) الرواية الأولى التي تدور أحداثها في أزمان سابقة, و(قمر باريسي) الداخلة فيما بين زمنين, ذلك العالم المغلق, وهذا العالم (المتوهم انفتاحه) ومن خلال علاقة نسيمة بعوالم الاتصال الحديثة, يبني جمعة حول علاقة الشخصيات بالجسد رؤية واضحة لانغلاق الداخل (النفسي) الذي يفضي تماماً لذلك الانغلاق الخارجي, والذي يفضي بشخصية مثل نسيمة إلى أن تبني علاقة هي غير مقتنعة بها أساساً مع (لطوف) وهي صديقة أمها. هكذا يدخلنا جمعة إلى فضاءات مهمة حين نريد البحث في طبيعة الشخصية التي تنشأ في مثل هذه البيئة, وهكذا يمكننا حين قراءة (قمر باريسي) وقبلها (بيضة القمر) أن نرى بوضوح إلى طبيعة التكوين الداخلي لشخصيات هي بالتأكيد غير ما تبدو عليه, ويمكننا أيضاً أن نراها دون أن نكون فكرة مسبقة عنها, نراها وحسب, ونقرأها وحسب.

قمر باريسي 003

 

خالد البناء يقرأ ( الخراف الضالة) في “كينغستون” في لندن

وصلت الرواية بيد خالد البناء أحد المسئولين بفندق الهولدي ان في كينغستون وخلال لقائي معه في المدينة وعبر الفندق الذي أقيم فيه ويعمل به منذ سنوات هناك علق بطرافة قائلاً:

رواية ( الخراف الضالة) التي تروي أحداث الغلاف الخراف الضالة 0077بحرين الدامية أخيراً نقرأها في كينغستون بلندن

الخراف الضالة وحشة المدينة الضالة وعودة الروح لمدينة الأشباح

الخراف الضالة - رواية

 

الخراف الضالة  وحشة المدينة الضالة وعودة الروح لمدينة الأشباح

وصف أحد القراء لرواية ( الخراف الضالة ) أجواء الرواية على إثر  القراءة لها بأنها تأريخ للحقبة الدموية الدامية الني شهدتها البحرين خلال الفترة التي تلت ما يسمى بالربيع العربي وساد فيها الخوف والفزع نفوس الناس حيث خلت الشوارع وساح الدم على الإسفلت وساد الذعر النفوس ولم يبق سوى العلاقة العاطفية هائمة كالأرواح المحلقة في فضاء الأشباح الحية المتحركة في القرى ولاشوارع والازقة تبحث عن معنى ما يجري.

الرواية من أصدار دار الفارابي وقد رشحتها الدار لجائزة البوكر في الدورة السابقة وتباع حالياً في المكتبات العربية وفي لندن

نبذة عن الرواية

تقع في 422 صفحة من الحجم المتوسط صدر مؤخراً عن دار الفارابي في بيروت وتدور وقائعها في البحرين عبر تقنية فنية توظف المونتاج السينمائي للأحداث منذ 14فبراير 2011 مع بداية شرارة الأزمة السياسة التي عصفت بالبحرين وأحدثت شرخاً اجتماعياً واسعاً.

تنقسم الرواية الى فصول عدة تتناول الشريحتين الاجتماعيتين الغنية والفقيرة المدقعة التي تعيش قاع المدينة وانعكاس الأحداث عليهما من خلال صراع اجتماعي وسياسي ونفسي يتجسد في علاقات عدة بما جرى عبر الأحداث التي مرت وخاصة ما وقع منها خلال حالة الطوارئ وما شهدته تلك المرحلة من وقائع منها علاقة عاطفية بين متحابين من كلتا الطائفتين وتداعيات الأحداث عليهما.

تغوص الرواية في زمن البحرين منذ القرن العشرين وبدايته عبر توظيف المونتاج السينمائي في استجلاء الأحداث التي شهدتها البحرين منذ تلك الحقب السحيقة من خلال شخوص ورموز عاشت تلك المراحل وعاصرت الوقائع الأخيرة.

تبدأ فصول الرواية عشية المظاهرات والمسيرات التي مرت بها البلاد ولا تنتهي حتى الساعة اذا تظل أحداثها مستمرة حتى بعد الانتهاء من قراءة الرواية.

 

 

حزب الشاي والرقابة الذاتية !!!

حزب الشاي01

حزب الشاي والرقابة الذاتية !!!

صدر مؤخراً كتاب [ حزب الشاي الوطني الديمقراطي] وهو سلسلة مقالات للكاتب نشرت في السنوات الأخيرة بعضها حذفت منه الكثير من الفقرات وبعضه لم ينشر وبعض أثار استياء وغضب بعض الدوائر، بل كانت هناك في وقت ما بعض الضغوط بحذف كل ما يتعلق بالسفير الأمريكي في البحرين غير  أن الكتاب صدر مؤخراً متضمنا كامل المقالات بدون حذف سطر أو حتى كلمة واحدة وهو دليل قاطع على حرية النشر المكفولة في البلاد بعكس ما تمارسه الصحف وما الرقابة على المقالات الصحفية ما هي الا من صنع رؤساء تحرير الصحف المحلية الذين يبالغون في في فرض الرقابة الذاتية على الكتاب والصحفيين .

الكتاب يوزع حالياً في مكتبات معرض الكتاب والمكتبة الوطنية بفروعها

الديمقراطية الانقلابية (مشروع الإصلاح المؤجل)

[ الديمقراطية الانقلابية]

الديمقراطية الانقلابية 

(مشروع الإصلاح المؤجل) 

(صادر عام ابريل 2005)الديمقراطية        الانقلابية

احمد جمعة

الحرية والديمقراطية نقيض التخلف ، فهل هي كذلك ..هنا؟

استهلال

الديمقراطيةهيالملاذ الأخير بعد كل هذا الالتفاف حول مختلف نظريات التحول للمجتمعات والتي تأتي باسم الإصلاح منذ انطلاقة الدعوات الأولى لفرح انطون وشبلي شميل ومحمد عبده ، مروراًُ بقاسم أمين وعلي عبد الرازق وطه حسين وغيرهم من أولئك الذين حلموا بمشروع إصلاحي حداثي ينقل هذه الأمة من خانة التخلف والانهيار إلى مصاف الأمم المتقدمة ، وحتى اللحظة لم يكتب لهذه الأمة أو الشعوب العربية المتعددة أن تقترب من هذا الهدف بالرغم من تعدد واجترار المشاريع الإصلاحية التي نحن اليوم أمام واحداً منها في البحرينِ ، فماذا كسبنا ؟

المشروع الإصلاحي في البحرين والذي جاء نتيجة عوامل احداثيات عدة فإننا نتساءل عن جدوى هذا المشروع وعن مدى استجابته لمتطلبات الوطن والمواطن .

بعد أكثر من ثلاث سنوات من بدء المشروع الإصلاحي أين وصلنا ؟ وماذا أنتج هذا المشروع ؟ وهل لبى المطالب ؟

القراءة التالية لمسيرة ثلاث سنوات من بدء الإصلاح تطرح الانطباعات والأفكار المتعلقة بنتائج هذه القراءة .             

مقدمة

ألديمقراطية المفردة السحرية التي اختزلت نضال أكثر من نصف قرن خاضه هذا الشعب بكل تياراته وطبقاته المسحوقة والمتوسطة وبعض الفئات والشرائح منه ’ ومنها النخب المثقفة والمتعلمة وقسم من الطبقة التجارية ذات المصلحة في التغيير والتي تضررت مصالحها نتيجة الاحتكار لوسائل توزيع العقود والمقاولات والتدخل المباشر في أعمالها ومصالحها طوال العقود الماضية من القرن الماضي وبداية هذا القرن .

ولد عن هذا النضال الكثير من المكاسب الاقتصادية والسياسية وإن لم تكن هذه المكاسب تشكل طموحات وآمال هذا الشعب إلا أنها استطاعت أن تقلل معاناة شعبنا لسنوات طويلة ’ وان تذلل العديد من المصاعب التي واجهها من خلال الممارسات والتجاوزات والتي بلغت ذروتها أبان قانون أمن الدولة الذي من نتيجته سقط الشهداء ودخل خيرة أبنائنا من المناضلين السجون وتعرضوا للمنافي وغيرها من الاضطهاد عبر مراحل متعددة ابتداءً من انتفاضات الغواصين وحركة ألاتحاد في الخمسينات مروراً بانتفاضة مارس 1965وبالأحداث والاضطرابات في التسعينات ثم انتكاسة التجربة البرلمانية حينذاك حتى توج هذا الوضع بالانسداد التاريخي حيث بلغ الوضع ذروة احتقانه بأحداث العنف في التسعينات ’ كل هذا يضعنا اليوم أمام مفردة الديمقراطية التي يبدو أنها تقترب قليلاً أو كثيراً من طموحات هذا الشعب الذي مر بكل تلك المراحل واجتازها بالآلام والمعاناة وكل هذا التراث من الكفاح الذي انبثق عنه هذا المشروع الإصلاحي الذي نحن بصدده اليوم وهناك من يريد تدميره سواء من داخل النظام أو من خارجه من بعض القوى السياسية الفوضوية وذات الأجندات وهي تفسر نفسها بالرغبة في السلطة ونفوذ تتجاوز خطوط ألإصلاح والتغيير الديمقراطي الواقعي .

من عام 1820اقتطع هذا النص لسان سيمون الذي يتحدث حينذاك في سبيل أخلاق جديدة للقرن التاسع عشر وهي مبادئ في السياسة لم تتغير كثيراً .

( هناك في كل الأزمنة ولدى جميع الشعوب ’ توافق ثابت بين المؤسسات الاجتماعية والمفاهيم الأخلاقية ’ بحيث ينتفي معه أي شك بوجود علاقة سببية بين الأخلاق والسياسة . والواقع أن السياسة هي محصلة علم الأخلاق الذي يقوم على معرفة القواعد التي ينبغي أن تسود العلاقات القائمة بين الفرد والمجتمع ’ ليكون كلاهما سعيداً إلى أقصى حد ممكن ’ فليست السياسة إذن إلا علم ما هو هام من هذه القواعد ليكون من المفيد تنظيمها ’ وتكون في الوقت نفسه ’ على قدر كافِ من الوضوح والشمول بحيث يغدو تنظيمها أمراَ ممكناَ . وهكذا تتفرع السياسة من علم الأخلاق ’ وما مؤسسات شعب من الشعوب إلا نتائج أفكاره ).

هذا التعبير الحقيقي الذي جسده خطاب الفيلسوف سان سيمون ’ أين من ممارسات السياسيين اليوم عندما تنتزع الأخلاق من أي حراك سياسي لنشهد هذه الفوضى الغوغائية التي امتدت حتى صفوف القاعة البرلمانية سواء من حيث الأداء الفكري الفقير أو من عبر الإخلال بأبسط قواعد ولوائح العمل البرلماني وهي حالة تجسد بحرفية مهزلة الممارسات المتخلفة التي تشبعت بها دول العالمين العربي والإسلامي وانزلقت بمفاهيم وقيم الديمقراطية إلى هذا المستوى من الانحدار الذي جعلنا أمام العالم مسخرة يتندر بها حتى جيراننا ممن لم يسعفهم الحظ العاثر لأن يشرعوا في مثل هذه التجربة الفريدة من حيث الاستخفاف بالقيم الحديثة للديمقراطية والتي تتضح من خلال سيل المقترحات والرغبات النيابية التي بلغ ذروتها بتحريم أو منع مادة الصمغ حتى لا تكون سبباً في الإدمان على المخدرات .

لن أدخل في التفاصيل الدقيقة المرافقة لتطبيق الديمقراطية ، لكني اختزل هذا الأمر برمته في تلك عبارة ، “لو كان الجهل رجلاً لقتلته” .

إقصاء الآخر، نبذ فكر الآخر، تحجيم رأي الأقلية ، عدم الاعتراف بحقوق الآخرين ، مصادرة تفكيرهم الحر ورفض الحوار مع الآخر كلها تتجذر في أي مجتمع يقوم على رفض الآخر، وهي مقدمات للإرهاب الفكري الذي يطيح بأعمدة الحرية وخيار الآخر ، ليقود في النهاية إلى الدكتاتورية بشتى أشكالها الدينية والسياسية والايدولوجية ، وما الأفكار والمنظمات والجمعيات والأفراد وحراس الموروث إلا بذور لإرهاب الآخرين من التفكير الحر والاجتهاد الحر والخيار الحر وتقرير المصير بحرية وهي مقدمة لأية دكتاتورية سواء كانت دكتاتورية سلطة سياسية أو دينية أو إيدولوجية ، فهي تقود إلى المجتمع الأحادي البعد الذي يهيمن فيه التيار الواحد والدين الأوحد والحكومة الشمولية والرأي الصائب ، ليتحول  المجتمع إلى صوت واحد لا وجود فيه لاستقلال العقل ، مما يقود لإرهاب فكري سرعان ما يتحول إلى إرهاب عنفي تستخدم فيه السيوف بدلاً من الأقلام ويتحول المجتمع بأسره إلى حلبة دموية يقتل فيها الإنسان أخيه الإنسان لمجرد فكرة أو رأي أو مذهب ، بدلاً من إشاعة روح التنوير والحرية والقبول بالآخر مهما كان مذهبه وفلسفته .

إن هيمنة الرأي الواحد وفرض قرار الأغلبية على الأقلية ، ودين الأغلبية على بقية الأديان ، والإطاحة بالعقل لصالح الخرافة يتناقض مع سعي المجتمع إلى الديمقراطية والمطالبة بالحقوق الكاملة للإنسان في وقت يهرول فيه العالم نحو الانفتاح .

لقد شهد مجتمعنا البحريني منذ ثلاث سنوات تحولات تحت شعار التغيير الديمقراطي ، ودخلت الطبقات والفئات والشرائح والتيارات في لفرض النهج الديمقراطي العقلاني مقابل موجات متدفقة من الإرهاصات والتعصب والتشدد وفرض الرأي الواحد على الآخرين ليصبح التحدي الذي يواجه الديمقراطية محكوم بإنقلاب خطيرة على المشروع الإصلاحي مما يضعنا على سكة حديد ينحرف فيها قطار الديمقراطية عن مساره ليسقط في حفرة الدكتاتورية الاجتماعية ودكتاتورية الدين والمذهب والتيار الإيدولوجي وكل أشكال التعصب المنبوذ في الألفية الثالثة ذات التوجه الإنساني والحضاري ليتحول مشروعنا الإصلاحي إلى بؤرة للتخلف والإرهاب الفكري الذي كنا نقاومه في شكل الدولة والمؤسسات الأمنية من الحقبة الماضية ، لتحل مكانها مؤسسات أمنية أكثر خطورة تتمثل في هذا الكم من المشاريع المتعددة وهي تحاصر المجتمع بشتى أشكال المحرمات .

انه انقلاب حقيقي على الإصلاح ، وانقلابية جديدة باسم الديمقراطية لقتل الديمقراطية بيد الديمقراطية ذاتها .

 

مقطع من رواية يسرا البريطانية – تصدر قريباً

****

 تطلعت نجوى القطان إلى سماء العراق، ولاح لها أفق الزبير وحده من بين كل الأمكنة وبدا لها الفضاء كأنه يوم الحشر، سمعت يسرا صوت نجوى القطان تتمتم ببضعة كلمات غير منسقة، وتناهى لسمعها من غرفة المعيشة الملاصقة للفناء الخارجي ويفصلهما باب إطاره من الخشب المدهون بصبغ “الوارنيش” الرصاصي اللون صوت لمقرئ يتلوا سورة الحشر “هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ”

توقفت لوهلة، أطلت بوجهها من نافذة الغرفة نحو السماء الملبدة بالغازات والغيوم، شعرت ببرودة تسري في كف يدها التي وضعتها على إطار النافذة وسرت رعشة بداخلها وهي تسمع المقرأ الذي لم تميز إن كان يقرأ من إذاعة بغداد التي ما انفكت تذيع بعض القراءات القرآنية منذ أن لاح لها موعد شن الهجوم الدولي على البلاد أو خلال جهاز تسجيل أدارته والدتها التي اعتادت على سماع القرآن كلما شعرت بحزن يداهمها نتيجة للأوضاع المتدهورة في الزبير، امتد تأملها للسماء بين نظرة فاحصة للغيوم تجري عند المساء وبين صوت المقرئ الذي انساب يزرع الخوف في داخلها وكأنه ينذر بساعة بمحنة تطرق الأبواب، طفقت تتحسس وجهها بكفها كمن تقيس درجة حرارتها، لتصحو على صوت والدتها يأتي من الطابق العلوي.

” لا احد يسقي الحديقة هذه الأيام، القي نظرة إذا ما كانت بحاجة لماء”

ردت عليها وهي تبلع موجة تثاؤب اجتاحتها محاولة كبت استيائها الذي أخذا يتصاعد في الآونة الأخيرة.

” أنت تعلمين لا توجد مياه هذه الأيام حتى الصهاريج لم تعد تأتي؟

كانت البلاد واقعة تحت حصار خانق أثر على إمدادات الكهرباء والماء، وكانت أغلب الساعات يعيشها السكان أما بدون مياه أو كهرباء أو الاثنين معاً، ظلت تتأمل الخارج عبر النافذة فيما تتناهى أصوات من الخارج على غير العادة، إذ كان الحي يغط في هدوء والناس اعتادت على الاختباء أو العزلة لشعورها بالمرارة واليأس، كانت طبول الحرب التي تقرع منذ أيام قد بلغت مداها خلال الساعات الأخيرة من اليوم ودار شريط السنوات المنصرمة لبرهة في ذهنها الواهن بالتعب والتشويش، عبرت سنوات الطفولة ووجوه زميلاتها في الدراسة، رأت وجه صباح السند التي تذكرها بغيرتها منها وهي تأتي الفصل متأنقة وتسير بخطوات متكبرة تعكس تميزها عن بقية الطالبات، ثم كيف انعكست الغيرة لصداقة بينهما حتى يوم وفاتها المفاجئة نتيجة مرض غامض عصف بها لبضعة أيام ثم رحلت مخلفة حسرة في المدرسة كلها، تذكرت سعاد بن سلوم مدرسة العلوم بوجهها الطفولي وصوتها الذكوري وهي تقذف الكلمات النابية على الطالبات وكيف وقعت المشاجرة ذات صباح عند باب الفصل مع إحدى الطالبات البويات وتدعى خضرة المياس.

عبرت يسرا مراحل الدراسة خلال فترات الحروب منذ الطفولة وحتى المراهقة والأجواء كلها مشبعة بالحروب والانتفاضات والحصار الذي ترك بصماته على النفوس، كانت وهي على مقاعد الدراسة الابتدائية والإعدادية والثانوية تسير بنفس النمط من الرتابة والوحدة والعزلة، وكانت تتضاعف هذه الحالات سنة بعد أخرى ولكن وللغرابة أخذ ذكاءها يتصاعد هو الآخر وكلما ازدادت عزلة، زادت ذكاءً ووسع ذلك من فجوة العلاقة بينها وبين الأم.

لم يكن لدى والدتها أهمية للحالة الانعزالية التي تمر بها، في البداية وفي فترة الطفولة، مرحلتها التي قطعتها سريعاً، فاتحت فيه نجوى القطان جبار الشريف بحالة الفتاة وأبدت له في المرة قبل الأخيرة من بدء الحرب عن شكوكها من أن تكون الفتاة تعاني من التوحد فما كان منه إلا أن أطلق ضحكة ساخرة وهو الذي لا يعرف الضحك ولا حتى الابتسام في حياته، نظر لها بنظرة صارمة قال لها بنبرة جافة ” بعد كل هذه السنوات اكتشفت حضرتك توحدها، يا سلام عليك” ثم شرح لها بنبرة أخرى مختلفة بأن فتاة بهذا الذكاء الخارق الذي يفوق ذكاء النساء من أمثالها لا يمكن أن تكون متوحدة، وأسترسل في المماحكة قائلاً “البنت سر أبوها وهي تشبهني” بعدها لم يكن الشغل الشاغل للأم هي الفتاة كأنما كانت كلمات جبار الشريف بمثابة قطع للجسور بينها وبين الابنة المدللة لديه وشعرت بأنها استحوذت عليه من دون باقي أفراد الأسرة، بل وذهب أبعد من ذلك حين تجاهلت فيما بعد كل ما تمر به يسرا من مواجهات في حياتها سواء في الحي أو في المدرسة و لم تكن في يوم آخر بعد تلك المواجهة مع الأب محل الاطمئنان عليها من قبل الأم، كانت ترى أن الأطفال لا يعانون من التوحد إذا كانوا بهذا الخبث والذكاء وكانت ترى في ابنتها خبث الطفولة في البداية ثم رأت فيها خبث النساء حينما كبرت ولم يمر يوم بعد ذلك شعرت فيه يسرا بوجود الأم إلا عندما تمرض أو تصاب بإصابة من سقطة أو صدمة فقد كانت تقترب منها وتعالجها في حين كانت الأخرى تكتفي بالمراقبة والنظر في عيني الأم لعلها تصطاد مسحة من عاطفة.

كان الاكتشاف المباغت  لأعراض التوحد عندما التقت بهيثم الشريف الذي لا حظ بعد أقل من شهر حالة الفتاة  وربطها بما قرأه وسمعه عن التوحد عند الأطفال الذي تظهر أعراضه منذ الشهور الأولى ولكنه توقف عندما ربط بين ما يعرفه عن هذه المرض من تأخر الطفل فى الكلام واللعب والتفاعل مع الآخرين، وبين ما هي عليه من التفوق والذكاء والنتائج التي حققتها في كل مراحلها الدراسية.