” وداعاً يا بنشي الجميل، أراك في الغد عند نافذة الزبير” images ةة0
( يسرا البريطانية )
عرفت أن الخطوط الحمراء موجودة في كل مكان من هذه الدنيا، لكنها لم يُخيل لها أن هناك عرشاً من الرماح ينتظر جلوسها عليه لأيام، تتحمل جبالاً من المشاعر المنذرة بالرعب القادم، سمعت عن المحاكم الثورية والعسكرية الميدانية السريعة، لكنها لم تتصور أن هناك من ذهب من النساء والرجال وحتى الأطفال للإعدام، لمحت في ساعة صفاء ذهني نادرة شبح نجوى القطان فوق سطح الدار تنشر الملابس المغسولة على الحبل، ومن بينها البذلة العسكرية لجبار الشريف، تراءى لها طيف لطفلة صغيرة تقف على بعد خطوات من المرأة تتطلع للزي العسكري، فترى فيه الشموخ الرمزي لشيء يبعث إحساساً لم تدركه ساعتها، لاح لها الآن على مقربة من الموت، ساد الصمت أيامها التالية وهي محتجزة في حجيرة مكتظة بالنمل والحشرات، يعلوها سقفاً خشبياً، ينبعث منه الغبار طوال الوقت ويسبب لها السعال المتواصل، وصلت المكان عبر ناقلة كبيرة محملة بالمواد عبرت بها الطريق معصوبة العينين لم تعرف شكل من كان يرافقها على الناقلة ولا هويته ولا العدد، باستثناء صوت رجل كان يسعل بين فترة وأخرى
تصدر قريباً

هل توجد قوائم سوداء في الحركة الأدبية؟

مقابلة أجريت في صحيفة البلاد البحرينية مع الصحافية هدير البقالي حول
Picture 096القوائم السوداء في الحركة الأدبية

الموضوع المثار اليوم في هذه الأسئلة المتعلقة بالقائمة السوداء تعود بي الى حقبة تاريخية من العالم، وتحديدا في الولايات المتحد الأمريكية فيما سمي بحقبة المكارثية وقائمتها السوداء التي ضمت كتاب الأعمدة الصحفية والمسلسلات التلفزيونية وكتاب السيناريوهات السينمائية ومسرحيات بردواي وغيرها من أعمال الكتابة التي رافقت مرحلة تاريخية مرت بها تلك الدولة التي استعادت فيما بعد وعيها ووعي الكتاب والناشرين والمؤسسات الصحفية وغيرها من القنوات الابداعية، هذه فقط ديباجة رافقت ذاكرتي حينما قرأت تلك الأسئلة الطارئة والمدهشة التي فاجأتني من صحفية في البحرين ومن جريدة بحرينية تطرقت الى هذا الموضوع المسكوت عنه في الصحافة، وحتى في الساحة الثقافية والادبية وبالتالي حرضني ذلك على الكتابة والرد على تلك الأسئلة من منطلق ما تثيره من حساسية تجاه الكتابة وتجاه النشر والابداع بشكل عام واتركي لي مساحة التحرك في مواجهة هذه الأسئلة التي هي في حد ذاتها مصيدة!
– المصيدة التي يقع فيها الكاتب ليست متعلقة بوقت او مكان محددين فهناك دائما أمام القلم شرك يتراقص حولك ويبدو مستعدا لاستقبالك ان لم تكن محاسباً لقلمك ولمسئولية الكتابة ،صحيح هناك حرية للتعبير وهناك سقف دائما مفتوح للتعبير ولكن هناك كذلك نسيج ليس من القوانين ولا أدوات الحظر ولكن السياج الاجتماعي والموروث الثقافي والأرث البيئي بمعني البيئة الاجتماعية والتربوية هي التي تتدخل للحد من التعبير خاصة في المجتمعات العربية المشربة بالكثير من الحواجز، وهنا تكمن القائمة السوداء ، فردا على سؤالك الأول لا يرتبط وقوع الكاتب في مصيدة القائمة السوداء بوقت ومكان بقدر ما ه مرتبط بالقلم ذاته!
– التشابك موجود منذ لحظة خط القلم العبارة الاولى وهذا ينطبق على الكاتب المعبر دائماً عن جوهر الواقع لا عن سطح الأحداث فالغوص في الواقع والتوجه نحو قاع الحياة ونبش المضامين القائمة هو ما يجعل الكاتب مميزاً فيما اذا كان معبراً ام لا عن الواقع المحاكى للمجتمع ، متى تتعارض الكتابة مع السلطة؟ حينما يخرج الكاتب عن النصوص وحين يقفز بالقلم الى ما وراء ما يسمى بالخطوط الحمراء ولا يوجد معنى للخطوط الحمراء محدد، فالأمر موزع بين هذا الكاتب وذاك فما يكون خطاً احمر عند هذا لا يكون عند ذلك ولكن يقفز الثالوث المحرم كلما تجاوز المبدع والكاتب تلك الخطوط المتعلقة بالمجتمع نفسه، فعلى سبيل المثال ما يمكن الكتابة عنه في البحرين قد لا يمكن الكتابة عنه في مصر او السودان او الجزائر او أي مكان آخر وبالتالي تتداعي وتتشابك الالتباسات بين الكاتب ومجتمعه قبل ان تتشابك بينه وبين نفسه كما ورد في السؤال.
– الترويج للمنتج الثقافي وللكتابة عامة وللفن أيضاً لا يمر بالقائمة السوداء، سوف يسقط هذا العمل وينكشف اذا لم يكن على مستوى من الابداع ولهذا لا أظن ان المتلقي سوف ينخدع بلعبة القائمة السوداء لأن التمييز واضح بين الفن والتجارة ، فأنت لا يمكن خداع المتلقي بتكلف دخولك القائمة، هناك قوائم موجودة على الاقل في الأفق ولكن العصر وزمن العولمة لم يعدان يسمحا بوجود قوائم، لقد سقط زمن القوائم التي عهدناها منذ سقوط جدار برلين.
– كيف ..؟ لعلي لم استوعب السؤال ؟ أو على الأقل لم اقترب من المغزى الذي يرمز اليه ، هل يعتبر مصادرة حق الكاتب ضرب من ضروب الحرية ؟ لا يمكن ان تكون الحرية الا الساحة البيضاء أمام الكاتب ، اما امتداد او تداعي هذه الحرية فهو يعود الى ما ستمتلئ به هذه المساحة البيضاء من حروف ونقاط ؟ ثم ما معنى المخملية ؟ هل الحرية الشائكة والتي تدمي كمشرط الجراح هي المساحة المطلوبة ؟ ثم ان مصادرة حق الكاتب أمر يعود الى الواقع من جهة والى القوانين من جهة أخرى والى وعي الكاتب والى أين يقوده؟ .
– صدقيني اليوم لا وجود للمصادرة والمنع بمعنى المنع المققن والقائم في الأوساط الثقافية وهذا ينطبق على الكثير من الدول ، فانا عل سبيل المثال في روايتين هما “بيضة القمر” و”قمر باريسي” خضت المساحات ونبشت في المسكوت عنه وتعاطيت مع الثالوث المحرم بكل أريحية ومن دون تعتيم ولك أن تقرئي العملين وستكتشفين بنفسك مساحة المسكوت عنه الذي لم يعد مسكوت عنه وقد حدث ان صودرت الرواية الاولى في الاردن لفترة وجيزة ثم افرج عنها ولم يكن هناك غياب لمسار الكتابة حيث استرسلت فيما بعد بالتنقيب داخل المسكوت عنه، لقد كان لاقتحام ذلك المسكوت عنه ثمناً جميلاً جدا وكسبت منه انتشار الروايتين في المنتديات الثقافية والادبية ووصلت الى منشورات “أمريكا بوك” وهذا الشعور بالاقتحام وبالنتيجة يعادل الجهد المبذول في حالة الخوض وراء الابواب المغلقة ، لم احتاج ان أصل الى مستوى تهريب الكتاب ولا والى حالة الممنوعات المحرمة بل وصلت الى القراء بحرية وان كانت صعبة المنال لدى الوهلة الاولى لكنها تستنتج بنفسها القوة على الشعور بالحرية من أن تعتدي على الحرية للآخرين، فيما تحي عن زمن وموضوع .
– شخصياً لست من هؤلاء ولا أقر السوداوية من منظور فرضها على الواقع ، الكاتب طليعي الفكر والوعي بطبعه وان أراد ان يعالج المشكلات والإشكالات فهو ينطلق من منظور آليات الكتابة الحيوية المشغوفة بتحسين الحياة وليس بتعتيم الواقع الذي قد يكون معتماً ولكن الكاتب دائما يجد بصيص من النور حتى في الليالي السوداء المعتمة والا فقد القدرة على التغيير نحو الأفضل ، صحيح الكاتب لا يغيير بكتابة الحروف والكلمات ولكنه بواسطة الكتابة يدل الأخرين على التغيير وهذه وظيفة الكاتب وليس بالاصرار على التغلغل في المحظورات لأهداف دعائية فحسب.
– في رأي تجاوزنا الثالوث المحرم بقدسيته السابقة والقديمة فقد أسهم الإسلام السياسي ودخول الدين حلبة السياسية على سحب البساط من تحت أقدام المتأسلمين سياسياً ويرجع الفضل في ذلك الى خلط الدين بالسياسية فحدث الانفراط من الثالوث أما بشأن الجنس فان عصر الانترنت والفضائيات المفتوحة والكتب المنشورة بواسطة الانترنت كلها شرخت جدار المسكوت والمحظور الدخول فيه بشأن الجنس، أما ثالث الثالوث وهو السياسية فان التغييرات التي طرأت على العالم وتعدد الأفكار وبزوغ الديمقراطيات فقد فتحت السقف الى أكثر من الثلثين وهذا تقدم .. اذن الثالوث في رأي لم تعد له عذريته.
– هذا جيد أحيانا اذا ما نظرنا اليه إعلامياً ومن شأن كثير من الكتاب ان ينساقون بأنفسهم الى المحاكم لغرض الدعاية، طبعا ذلك ليس تعميماً فما زلنا نحتكم الى المحاكم في كثير من حالات العجز عن الدفاع الفكري ، نعم بعض الكتاب يمارسون لا اسميه بالجرم على الورق فذلك قاس جدا ولكن بحثا عن اللذة الصارخة المستفزة وهذا موجود لدى البعض.
– هذا ما يميز الأعمال التجارية والاستهلاكية والكتابة اليومية الصحفية ولكنها لا تنطبق على الفن والأدب، فالثقافة لها طابع من الرقي الذي لا ينحدر الى هذا المستوى وأشك في ان المبدع تستهويه العناوين الملفتة، الا إذا كان من الطراز الاستهلاكي.. فالإبداع محتوى ومضمون وهو يفرض جوهره على الجميع من دون ان نضعه في صناديق مختومة بالشمع الأحمر، خذى مثالاً كتب الطبخ مهما ازدهرت بالصور والألوان والورق المصقول والطباعة المفتونة لكنها تظل كتب للطبخ ممتعة وجيدة للبطون ولكنها مفلسة في أغلبها للعقول ولذلك فان الابهار يأتي من المضمون وليس في الشكل.
– الوقت والمستقبل في صالح هذا التوجه والذي أعني به استشعار الحرية من دون التوجه الى تهم التكفير ومهما بدت الساحة مشمولة حالياً بألغام الصحوة الدينية المسيسة الا ان المؤشرات في صالح انحدار هذه الموجة وستكشف الأزمنة التي ليست بعيدة عن هذا التوجه المعبر عن انحسار المد المتشدد وهذا في صالح الكاتب والحروف والكلمات.
– القائمة السوداء موجودة وغير موجودة، الكاتب وحده مقدر له ان يلغيها أو يبقي عليها ونحن اليوم في عصر العولمة ليس هناك وقت ولا مكان للقوائم السوداء الا لمن أراد ان تبقى هذه القوائم في ذهنه وذاته المبدعة.

الحلاج

لما أتي بالحسين بن منصور(الحلآج) ليصلب رأى الخشبة و المسامير فضحك حتى دمعت عيناه فقال
هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصبا لدينك وتقربا إليك.
فإغفر لهم فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ما فعلوا
ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليت بما ابتليت.

15510.imgcache

بحر أخضر .. شاهداً [مقطع من السيرة]

جديد احمد جمعةMuharraq-20120323-00147جمعة- المهمّشون شكّلوا غالبية في بلدي حتى أواسط القرن الماضي
بعد الانتهاء من رواية (يسرا البريطانية التي ستصدر قريباً المؤلف ينشر سيرته مع البحر والسياسة والحياة في كتابه القادم الذي يلخص سيرة حياة تمثلت في ثلاثية القمر الروائية والتي شملت (بيضة القمر) و(قمر باريسي) و(رقصة أخيرة على قمر أزرق) مع ذكريات عمر طويلة امتدت لخمسة عقود..

بحر أخضر .. شاهداً
[مقطع من السيرة]

حي البنعلي بالمحرق ذا السماء الرمادية والبحر الذي يشكل ساحله كالشريط الأزرق المميز له عن بقية الأحياء حيث يبدو فيه الحي أشبه بجزيرة مستقلة لها تضاريسها الخاصة، من هذا المكان ومن على بعد منه ولدت من بقعة تبعد بضعة أمتار عن البحر ولهذا كله شكل البحر لي رئة التنفس الإضافية على رئتيي الطبيعيتين، كان المنزل عبارة عن بيت يتشارك فيه ثلاثة أخوة احدهم والدي جمعة مبارك بن حبيب المنتمي لأسرة بن حبيب الكبيرة التي ما زالت تتوزع اليوم عدة مناطق من البحرين والسعودية ومن هذه العائلة تزوجت وأنجبت أبناء وأحفاد ينتمون لعائلة بن حبيب.
كانت أولى خطواتي هي القفز من عالم المهد إلى عالم الطفولة في حي البنعلي بالمحرق المحاذي للبحر الذي استلهمت من فيما بعد مناخات رواياتي كلها تقريباً، إذ كان البحر بمثابة البركان الذي تولد منه السنة اللهب في الحياة الفطرية المفتوحة على المغامرة المحفوفة بالمخاطر والتي راح ضحيتها العديد من الأطفال بسني وأكبر نتيجة عدم خبرة بالبحر وأسرار مخاطرة، كان الحي المذكور يغص بالأطفال وكأنهم وحدهم سكان المنطقة ولقد لفت انتباهي فيما بعد عدد الأطفال حينذاك وجعل ذلك يدفعني للتساؤل: هل لكون عدد كبير منهم لم يذهب للمدارس وبالتالي كان الشارع يحتويهم؟ أم أن تلك المرحلة التاريخية كانت شاهدة على التزاوج بين الأهل والأقارب ونتيجة لذالك التزاوج شهد الحي والأحياء المجاورة له هذا الكم من الأطفال يملئون الشوارع منذ بداية النهار حتى مغيب الشمس وحلول الظلام، من هذا المكان الذي جسد التمازج الكلي معه، في هذا الحي البحري المنغمس في الصيد والرحلات المكوكية بين الساحل وقرية “عراد” القديمة التي يفصل بينهما خور عراد حيث كانت عبارات السفن الصغيرة تنقل الركاب بين الساحلين، بدأت أتلمس دربي في الحياة بين مجموعة من أطفال الحي أذكر منهم اليوم احمد محمد البنعلي وعلى عيسى أبو الشوك وشقيقه محمدين وراشد الحلو وعبدالعزيز بوخماس بالإضافة لأبناء عمي يوسف احمد بن حبيب وصقر مبارك بن حبيب والأخير شقيق زوجتي، ودائرة كبيرة من أطفال الحي، وفوق ذلك كنت اكتسب في كل يوم جديد شبكة من الأصدقاء كعادة أطفال تلك الحقبة، وأواصل البحث عن الأصدقاء في المدرسة والأحياء المجاورة، كانت هناك مواقع مختلفة نتحرك فيها كأطفال تمتد من حي البنعلي صعوداً حتى حي البوخميس، كنت من خلالها أشكل لي شبكة من الأصدقاء من الأحياء التي تضج نشاطاً وحيوية وكان على رأسها بالطبع حي البنعلي بالمحرق القريب جداً من الساحل، وكانت روائح البحر في الأيام الصيفية الحارة تسافر محلقة على المنازل وتطوف أرجاء الحي، عندما كنت منغمساً حينذاك من خلال طفولة البحر والساحل والمغامرات الصبيانية، لم أكن أعي أنه في أحد الأيام سأكون إنساناً رسمت له الحياة دربه لم يختره ولم تتكشف معالمه بعد، انطلقت بعد مرحلة الطفولة في دروب متشعبة متنافرة الاتجاهات، هذه الدروب أخذتني بعيداً عن حي البنعلي، شعرت عندها أن بداخلي الكثير لأخرجه.. ولكن كيف السبيل؟
بدأت بالرياضة ومنها تحولت إلى الثقافة وامتهنت التأليف التلفزيوني ولما أبلغ السادسة عشرة من عمري، كنت أيضاً أصغر من أعد البرامج الإذاعية وأنا طالب بالثانوية وأعمل لدى شركة البحرين للسينما، حتى اليوم وأنا أرأس المكتب السياسي لجمعية ميثاق العمل الوطني .
عندما فتحت عيني لم أكن أعي سوى أنني واحد من “عيال” “فريج” البنعلي الحي الذي هو بمثابة مدرستي الأولى في معترك الحياة، فيه تلمست بداية الطريق، ومنه أخذت أنقل الصور المعتملة بداخلي وأرمي بها على طرقات الحي، كنت كأبناء أي “فريج” من فرجان البحرين القديمة المتناثرة أبحث عن نفسي أولاً، أحاول رسم ملامح شخصيتي لأنطلق بعدها في “دواعيس” طويلة لا نهاية لها.. مع أصدقاء يرافقونني في بداية المشوار.

في السنوات السبع الأولى من العمر يبدأ الإنسان عادة يدرك ما حوله، ويتنفس المعرفة الأولية بالحياة التي عادة تولد بسيطة وعفوية ثم تتعقد، بحثت أولاً عما أميزه.. وكان البحر أول من استوقفني وأرهبني صوته، وتكسر أمواجه على السواحل الصخرية، بدأت ألمسه.. أدخل قدماي في رمله ويبدأ بمصافحتي.. تعاهدنا حينها على صداقة لا تنتهي.. كانت بيوتنا مقسومة إلى جزأين الأول على اليابسة والأخرى ملاصقة للبحر، كنا لا نفترق حتى عندما تثور المياه في منطقة تشتد فيها خطورة المياه حيث تبدأ الحدود من منزل يسمى ببيت عبدالنور ويمتد لمنزل آخر يدعى بيت بوخماس.
المنطقة بمجملها كان يحاصرها البحر من كل الجهات كانت معاركنا حتى قبل دخول المدرسة تكمن في البحث عن (الشرايب) واللعب بها، وتأمل تلك المخلوقات الصغيرة وكيف تقوى على العيش داخل البحر الهائج، وكيف تحفر بيوتها في الرمل أو تحت الحجارة، كانت (الشرايب) بضاعة يبحث عنها من هم أكبر سناً، وكنا مصدر جلبها لهم نصطادها بعد أن (تثبر) – الجزر- المياه ونسلمهم إياها.
كانت «الشرايب» مادة لصيد أسماك «الميد» بالسم بعد دقه وطحنه ونثره فوق مياه البحر مع “سقاية”الماية – المد- بعد ساعة من الزمن يتحول البحر إلى غطاء أبيض من الميد والقرقفان والعفاطي، وكل ما يلتهم السم من أسماك وكائنات بحرية، يطفح ميتاً ليتحول إلى صيد سهل لأهل الحي، لينطلقوا في سباق من أجل حصاد اكبر ورزق أوفر من الصيد، كان البعض يلاحق الأسماك بالعصا إن كان فيها بقية من روح، ومازلت أستذكر تلك المشاهد الجميلة وكيف كان البحر مصدراً للغذاء والرزق واللهو.

لا أود سرد سيرة حياتي وتجاربي الصغيرة تلك بالقفز عن عشقي للبحر الذي تلبسني لدرجة الهوس بكل تفاصيله من هواء ونكهة وطقوس تشربتها واعدت صياغتها في جميع رواياتي تقريبا من “بيضة القمر” التي صدرت في 2001 وتم مصادرتها ومنعها من التوزيع في كل من البحرين والأردن بعد خطبة يوم جمعة للشيخ نظام يعقوبي استوفى كل جهده في مهاجمتها واتهامها بشتى النعوت وقد رددت عليه في جريدة الأيام في وقتها، كان يومها وزير الإعلام نبيل الحمر وقد افرج عنها لاحقاً كما توزيعها بعد ذلك في الأردن وقد ابلغني بمنعها هناك ماهر الكيالي صاحب المؤسسة العربية للدراسات والنشر وهي الدار الطابعة، بالإضافة الى ذلك تمكن البحر من رويتي “قمر باريسي” و” الخراف الضالة” وحتى الساعة لا اشعر بأنني أوفيت البحر حقه برغم كل هذا التوظيف له، كذلك في “الخراف الضالة” لم أبتعد عن البحر أبداً، وعلاقتي به سلطت على شخوص الروايات الثلاث وأبطالها.
الذاكرة اختزنت بداخلي أسرار البحر ومنحتي الإلهام كي أتعرف على ما يدور فيه وحوله بدأت اكتساب المعلومة وتوظيفها حتى قبل دخول المدرسة، إذ كان البحر معلمي الأول وما يزال، لا يبخل علي كلما احتجته.. يفتح لي الدروب والأبواب الموصدة.. وينصب فيها مصابيح النور ويكسر الظلام لأبد السير بأريحية وثقة متناهية. من أين جاء البحر وكيف بدأ كل هذا العشق وتلبسني بهذا القدر؟ كان الخال رحمه الله علي الديك ويلقب من البحارة والسكان وكل من يعرفه ب: (بوعلوة) أحد اشهر البحارة في ساحل المحرق هو وسلمان الديك، حيث بدأت حياتهما ورحلا عنها من البحر والى البحر، ففي سنوات عمري الأولى وقبل بلوغي الخامسة من عمري كان يأخذني معه في البداية في الرحلات البحرية القصيرة ليوم واحد وعادة ما كانت هذه الرحلات عبارة عن نزهة بحرية تأخذ السفينة عدد من الأجانب (الانكليز) مع نسائهم الى رحلة ليوم واحد للصيد والسباحة وكانت المناطق لا تتجاوز المركب “الطبعان” وهو قريب من مياه ميناء سلمان اليوم اذ لم يصل وقتها العمران الى هذا الحد فكان البحر يبدو بعيداً وعميقاً، ثم بدأ تدريجياً يأخذني للرحلات الطويلة التي تمتد عادة ثلاث لياليٍ ونبحر فيها الى مناطق قريبة من قطر ومن الفشوت.