الفرق بين الرواية والارواية!

 

jjju

كتابة رواية كالسفر إلى مجرة

الفرق بين الرواية والارواية!

الرواية: دخل الميت من الباب!

الارواية: خرج الحي من الباب.

إهداء إلى أنطون جيكوف

 

اننا نتمتع بموهبة اختراع الروايات كي ندغدغ ألمنا . مارسيل بروست

1

لأن الهروب من بدائية الحياة يريح قلب كاتب فقد الثقة بالعالم السطحي حوله فر بكبسولة شهوة، انجر يتقصي ملاذ غير آسن كمستنقع مليء بالورود أو بستان مكتظ بالحراب السامة، تبعدك الرواية عن الروتين القاسي كالذي يتمثل بسقوط طائرة ركاب وعلى متنها مئتي إنسان ويعبر الخبر طبلة أذنيك مرور ذبابة أمامك، أو كمصرع عشرات الأطفال بغارة خاطئة بشمال أو جنوب سوريا ولا يثير ذلك حسك لأنه بمكان بعيد عن بيتك ولسبب أعمق أنك لا تعرف أحداً من ذوي أولئك الضحايا. ما علاقة ذلك بكتابة الرواية؟ يسأل من لم يقرأ أنطون جيكوف أو ارنست همنغواي أو غابرييل غارياي ماركيز، لأن الأمر لا يعنيه فالرواية التي تشدك هي تلك التي تصف جسداً عارياً أكثر مما يثير خبر سقوط طائرة ركاب وهكذا يتداعى العالم وينهار كأنه علبة كارتون أو قطعة خشب طافحة فوق الماء، أي جنون للرواية يحتشد فيها البشر من كل الألوان والجنسيات وكل ما يهم ماذا يشكلون من شهرة؟ فحين يموت مئة طفل بغارة لطائرة أطلسية بحدود أفغانستان تجد الخبر بحافة صفحات الأخبار الهامشية بداخل الجريدة أو بذيل نشرة الأخبار بقناة العربية ولكن وتفاجئ بعد ساعة بخبر انتحار أحد المشاهير في هوليود مع سبق صحفي لخروج نجم الكرة كريستيانو من فريق ريال مدريد، خبران يحتلان صدر الصفحات الأولى وبدايات نشرات الأخبار حتى القارئ والمشاهد لن يتعاطف معك، سوف ينصرف لأخبار المشاهير وينشرها بوسائل التواصل الاجتماعي، هل رأيت مرة بحياتك خبر غارة على مخيم للأطفال بوسائل التواصل الاجتماعي أو بتغريدة لتويتر تبلغ آلاف القراءة؟

الهروب للرواية يخلصك من بدائية العالم ويفسر طعم الهدوء بمذاق نهارك الذي تشرق شمسه بكلمات مألوفة مثل صباح الخير وكيف حالك؟ وأين تسهر الليلة؟ ثم تمضي يومك بتعاسة لأنك لم تقرأ رواية لغارسيا ماركيز لتفهم ما هي الحياة وليس كيف تسير الحياة؟ إن لون الشمس بعد يوم ممطر هو البرتقالي ولكن بذهنك المدرب بالتبعية سترى لونها أصفراً باهت كورقة خريف برصيف طريق مكتظ بالأشجار وإذا كنت تعيش ببلدٍ لا توجد بأطرافه سوى النخيل فلن تفهم لماذا يعتبر الخريف أجمل من الربيع؟ لأنك لا تمر بيوم خريفي في وطن لا تزرع فيه الأشجار ولا تسقط أوراقه الصفراء على الطريق، هل يجيب هذا التأرجح غير العقلاني على سؤال لماذا الرواية؟… إهداء إلى أرنست همنغواي.

2

متعة الرواية بوحشية كلماتها التي تمطرها حوادث غامضة تدور بين كائنات غريزية تهاجر كالطيور بين أغصان يابسة بغاباتٍ كريستالية تشدك من نهارك الرصاصي حتى مساءك البنفسجي ولا تترك دقيقة تميز بين امرأة تصلي وتبيع الهوى وبين امرأة عارية تحمي شرفها بالدموع، لأنك مسير بعقائد صفراء ببطون كتب التاريخ سردت لك لآلاف السنين والحقب طلاسم مزركشة بالفتن تمضغها وتمضي بحياتك سعيداً لن تفهم معنى الرواية بهذا الزمن الذي أودعت كل رصيدك من المعرفة بتغريدة تويتر خاطفة مرت كأنها نسمة بيوم حار أشبعت جوعك لمعرفة لماذا تزدهر الرواية بمكان آخر من العالم بينما تموت بمكان آخر فيه؟

لقد كتب عليك أن لا تسافر لأبعد من حدود تويتر ولا أقصى من أخبار المشاهير لأن بذلك تسلية عظمى لعقلك المترهل الذي لا يحبذ ثقل أوزان ما يجري وراء أسوار اللاجئين بالعالم الذين يستحق كل نفس بشري منهم رواية تشهد على ميلاده وموته، فكم لاجئ عربي غرق بمحيط سحيق لا تعرف عنه شيئاً مقابل ثقافة مكعبة هائلة رسخت بعقلك عن بطل لعبة تنس بأقصى الأرض، هل رأيت الفرق أيها القارئ بين الرواية حين تبحث عن تائه بين أركان الكون وبين قطعة تغريدة تسبح مئات الكيلو ميترات لتقع فوق رأسك المربع كعلبة الطماطم؟ رواية الشيخ والبحر، ارنست همنغواي ورواية (……) شتان بين عالمين منشطرين أحدهما أسطوري وآخر متفسخ لكن أغلب قراء اليوم بعصر التواصل الاجتماعي يسبحون بمستنقع التفسخ، فالشيخ والبحر تقبع بمخازن الغبار وتخلوا منها المكتبات المتفسخة بعالمنا العربي بينما تعج بها مكتبات باريس ولندن ونيويورك وكأنها من إصدارات أمس، الفرق بين القراء كالفرق بين الليل والسجن فكلاهما مظلم لكن لأحدهما الشوك وللآخر السحر. نقرأ ونقرأ ونصاب بالتخمة ويظل العقل فارغ لأن عصر الرواية تغير منذ ازدهرت مهرجانات الورق بأطناب الأغلفة الصفراء ذات الحروف السامة والخالية من زهور الألم الذي عاشه غوغول وجيكوف وشتاينبيك ونجيب محفوظ، أضحى وادي الرواية خالياً من العشب ونكهة السرد الخرافي. زمن الرواية يزدهر في الغرب وبالعالم كما لم يحدث من قبل وزمن الرواية بمحيطنا ينضب كنهر مملكة الحيرة الذي تحول لصحراء رصاصية اللون… إهداء إلى نجيب محفوظ

 

3

ماذا يؤلم الروائي غير غض الطرف عن المسكوت عنه؟ مخدر الكتابة أحد الآلام التي تسببها الغيبوبة حين ينتشي السرد وتوغل بالغابات الضبابية ويلوذ الأبطال كل بمرفأ ينتظر انفجار الحدث، تثيرك كآبة ما بعد الجنس، ينتشر دخان الانفجار بأرجاء المكان وبأبعاد الزمان فتقع الفوضى العارمة بأنحاء الرواية وعلى الروائي الجسور تحريك الخيوط المشتعلة بالضوء والسير على الماء بأقدام مشتعلة بالنار للملمة المسافات المتبقية من حريق الغابات. لاشيء يوازي الثورة العاطفية والانتكاسة النفسية مع الوقائع الأصلية بالرواية لعدم وجود مسارات روتينية كئيبة تحكم النسيج وإلا ما عاد للمسكوت عنه واقعية، فسحر السرد وجنونه هما في الوصف الصوري وليس في عبارات غبية مرئية ظاهرية، فسحر السرد يكمن في الجوفي الذي يمزج الواقعي بالخيالي والسحري لتبزغ صور حقيقية بقدر الواقع المزري المصور، فكاميرا الروائي هي السحر ولكن من يعتقد ذلك غير المتألم بالكتابة والساهر خارج كهف الضجر؟ للرواية شأن يوازي يد الخالق الذي يشكل الخلق بصلصال الألم والبؤس وشرارة الاحتراق فتكون نطفة الخلق تلك الشخصيات الملتهبة التي تملك كيريزما جاذبية ولا تسقط بالسأم، التحدي للسارد هو الألم الآتي من رحم الواقع ونبشه واستخراج المومياء بداخله حية ترزق.. هكذا يتم الخلق السردي. ما يؤلم حقاً هو السرد المسكوت عنه، لا أولئك أيتام الورق الذين ينبشون بقايا الكلمات المستهلكة ثم يجمعونها بركام الورق لتظهر بشكل كراسات شمعية تبحث عن صيد بالكاميرات في أسواق عكاظ السنوية.

ما يؤلم الروائي تلاشيه بالانفجار ذاته مع الأبطال والشخصيات في الزمان والمكان، فما أسهل الكتابة بمداد الألوان المزركشة وأسهل من ذلك صنع العبارات بالورق كلعبة مكعبات يتم رصها بحكايات الأطفال الليلية ما قبل النوم، ما يؤلم هو السرد السحري الدموي المحفز للمجازفة بمسكوتٍ عنه بين خالق متألم ومخلوقات هامشية لا يعتني بها العالم إلا في الروايات الدامية فقط…إهداء لغابرييل غارسيا ماركيز

 

4

تدغدغ الرواية الألم بالكاتب وتقوده لجنون ناري ساعة خلق الوجوه وصياغة الأحاسيس، أنه خالق للأرواح البشرية دون إرادة التحكم فيها، لا تصنع الرواية الأحداث، الشخصيات المتناثرة بداخلها هي من تحرك الحياة فتخرج سيطرة الكاتب عن مسارها وتتحول الدمى التي تشكلت في البداية من عجين الصلصال إلى كائنات تتنفس الهواء ويلوذ القلم بالفرار لتتربع الرواية قمة الإبداع، لا قواعد رقابية ولا خطوط حمراء تعترض الطريق، تعبر الكلمات فجوة القلم السحري لتنفض الغبار عن المسكوت عنه وتتوغل بخفايا الظلام، تعري النفوس وتفضح ما وراء الستار، تتجاسر على التقاليد والقيم البالية، تفجر القوالب الجامدة بالواقع لتنزع الخوف من الأرواح الراكدة فتختلط الأوراق ويبدأ الكون بالاستماع لأنين المهمشين والمطاردين والعشاق والموجعين والضائعين بالمتاهات لتختتم النهايات بالبدايات، فلا توجد نهايات إلا وتضاجع البدايات، فالعشاق المحرومين من الشواطئ والموانئ والمتخفين بدهاليز الليل يلتحقون بملاجئ العتمة لينعموا بالسلام.

لن تكون رواية بمثابة تمثال جمال ما لم ترتدي الألم، رواية لا تحلق بالسماء ما لم تصاب بالجرح، رواية لا تخرج من هاوية الآلام البشرية هي كارتونة فارغة كدمية ملطخة بالألوان، الرواية، تلك المجنونة المتمردة على الواقع والمتحدية للقوانين والإجازات الرسمية، أي رواية تلك التي تروج بالواجهات الزجاجية ولا تعبر مرافئ الجوع والخوف والجسد؟ أي روائي ذاك الذي لا تكتسحه المشاعر المدمرة؟ عندما ترتدي الكلمات الماكياج تضحى مجرد حروف باللغة. الرواية هي جرح نازف لا يعالج بالمسكنات، الرواية حكاية معذبين وعشاق سعداء وهائمين بالطرق ووجوه هاربة من الألم إلى مرفأ السكينة، رجال، نساء، عمال، رجال أعمال، عاهرات، قواد ومنافقين، أطياف وأشباح وبشر محرومين ونساك ومحتالين ومصلين وملحدين، بوتقة بشرية وكتلة مشاعر تسمو بها العبارات صور تجر بعضها ولا ينتهي المسار بنهايات سعيدة أو حزينة، نهايات وبدايات مفتوحة بلا حدود ولا خطوط حمراء… إهداء إلى جون شتاينبيك.

 

 

 

في الجسد الخاطئ! لحظة، تغيير خريطة الجسد…

 

kharef alkarz (3)

من رواية خريف الكرز

في الجسد الخاطئ! حان اللحظة لتغيير خريطة الجسد…

” يا لها من نزهة آخر الليل فوق السحاب”

سافر بعيداً وحيداً ليقرأ كتاباً، تأبط الكتاب ووقف على أرجوحة المساء، تناول الرواية التي سافر خصيصاً لقراءتها قبل الانقلاب الجسدي، قلبها بين يديه كأنه يزن محتواها، أعد فنجان قهوته المريعة وبجانبها زجاجة الويسكي وأقراص الزناكس للاسترخاء، فتح الصفحة الأولى من الرواية ليفاجأ بان مؤلفها كان والده في الحلم، أيْقِن بأن الأرض تهتز كلما تأرجح الكون، لا شيء يحد الدنيا سوى هذا الليل الساطع بالحنين للآخر، فالجسد اليتيم المنكسر على عتبة الثمالة يبحث عن مأوى بين السطور، تقوده في ذلك حالة من العبث الجيني، تسطع نجوم من نافذة البناية الشاهقة العلو، في الطبقات العليا مع الغيوم، تراءى له حالة الأنثى القادمة مع التركيب الكروموسومي XX والتركيب الكروموسومي X ، هذا المزيج من الألوان حتى  لتبدو روحه يسكنها قوس قزح لا يظهر إلا في أواخر الخريف مع هبوب نسيم الليل المشبع برذاذ المطر، فيستيقظ الصباح مع خيوط هذا القوس الملون بتراتيل الشوق للجسد الغامض المشحون بكهرباء الشوق للحب، ظل لحن الكلمات التي صبغت بداية أوراق الكتاب تبدو كمكعبات ثجلية تفقده التوازن حتى خيل إليه وهو على هذا النحو من العلو بانعدام الجاذبية، تصفح الكتاب ورقة ورقة كأن الرواية شجرة تتساقط أوراقها صفراء خريفية.

“سأقرأ حتى الموت، سأقرأ حتى ما بعد الحياة، سأصنع من اللون الأحمر والبرتقالي والأصفر فالأخضر والأزرق ثم الأزرق الداكن والبنفسجي، قوس المطر الخاص بي، سأدخل عالم الفيزياء وألمس كهرباء الجسد حتى أُصَوب خطأ الطبيعة.

احْتَسى من الكأس سائله الذهبي، وأشعل لفة السيجارة الخضراء، نفث الدخان من فمه ثم اعتلى الكرسي وسط الغرفة وغطى جهاز اطلاق إنذار الدخان بشريط التيب وعاد يسترسل بالتدخين.

“سأخضع لانكسار ضوء الشمس وتحلله ثم انعكاسه على قطرات المطر.
عميقاً سار في الطريق الصحراوي الليلي بدون مصباح يدوي إلا من ضوء القمر، قال وهو يقترب من ميناء الحب.

” أنا في الجسد الخاطئ، سأخرج منه ولكن بعد الانتهاء من قراءة هذه الرواية ذات العلاقة الأزلية.

“الدنيا ريشة في الهواء” إنها أغنية تقي المرجاني، روايته الغامضة الآتية من الغيب.

هنا في صحراء لندن الضبابية، وعلى انكسار ضوء الشمس الخريفية طرق أبواب العيادات وتنزه مع الأطباء، واجه المصير المحتوم مع العلم والطب خريطة الجسد التي حان وقت تعديلها.

“لماذا وُلِدت رجلاً؟ كان بالإمكان اختزال المسافة لكوني في الأصل امرأة، سأخرج منه مع انحسار الجليد عن جسدي الذي أشتم فيه رائحة جسد امرأة.

الثقافة تنتحر، أمام وخلف الكواليس!

 

f9a5c2aeceb58e1f1c58219d491b0606

الثقافة تنتحر، أمام وخلف الكواليسF

احمد جمعة

أمام الكواليس…

في غمرةِ العبث من أمام! الكواليس فيضٌ من هطولِ مكافآت كارتونية! في سوقِ الفضيلة الثقافية تحت مسمى ربيع الأدب! وفيه تسوغ السلع الورقية والصور الإرشادية على كافة محاور المشهد الأدبي الذي انشغل بمحاصصة ثقافية، مدموغة بأختام الوزارات والمؤسسات الرسمية المنتمية لرأس الهرم بشقيه البشري والإلهي! حين يرضى عن طائفة ويغضب من طائفة، فتَحلّ المكافأة أو العاقبة. كلّ هذا السوق الثقافي الراهن في غالبهِ خاضع لمزاجِ آلهة عصر تخلى عن بذرة الخلق، فسارت الأقلام في قوافلٍ من الأعراسِ الاحتفالية، وقد تنازلت أو افتقدت أغلب الحروف عن بريقها وهكذا بدا المشهد الأدبي بغايةِ الطرافة، من أمام الكواليس.

كان في وقتٍ ما، وفي مشهدٍ ما، ثمة ربيع للحروف تُصْنع منهُ كلمات ماسية، وكانت هناك مدنٌ تعجُ بالإشعاعِ الفكري والأدبي، وحدائق زاخرة بالمعاني الواسعة، وذات خيال متسع لأبعاد الكون، وكانت الكلمات رغم الحصار الكهنوتي والسياسي تنثرها الرياح في أقصى مدى الحرية، ولم تكن هناك مكافآت، بل ثمة سيوف وخناجر وحيطان وسدود، تحاول حصار الحروف، لكن الأخيرة كانت منفلتة بعد أن هشمت القيود. وللمفارقة بين الأمس واليوم! أن القيود بالأمس كانت مفروضة موضوعيًا، أما قيود اليوم فهي ذاتية فرضتها الأمزجة الذاتية، لأن أصحاب القلم لم يستحوا وهم يتعروا من رداء القلم بمجاراة إله الفضيلة! فأضحت الصورة لا تخجل من التعري حتى وهي أمام الكواليس.

خلف الكواليس…

التقشف في المعاني، والترف في الشكلِ لهُ دلالات على التفسخ الذي أنتاب القلم، وانتزع منهُ الجوهر، مقابل التنازل عن الخلق في إطارِ مدينة المحاصصة الثقافية! لهذا انتشرت في الأرجاءِ أفاعي تتسكع في حدائقِ الحروف وتصطاد فرائسها باحتفالاتٍ خلف الكواليس تئنُّ من فراغٍ وهي بطريقها لتحتضر، كلّ ما يصدر عن مدينة المحاصصة ينازع منذ ولادته. كلّ ما يتمخض عن المحاصصة يُولَدُ وهو ميت. لتسرح عناقيد الكلمات المزخرفة عنوة رغم بشاعتها في سماء مدينة فخارية، هزيلة، تحتضر من ضمور الإشعاع الحضاري. ومدينة أخرى تنازع بدورها من تخمةٍ لشدّة تجرعها نفايات حروف وكلمات، مجْترّة أثخنتها براميل فارغة مُلِئت بهواءٍ فاسد، فَخيّل للبعض أنها وارفة العطاء، وفرق بين هوى يبوح وهواء ملوث، ولكن الغالبية لا تفرق!

هناك خلف الكواليس، مساومات ومناورات، لتوزيعِ المكافآت بحسبِ حروف الأبجدية في الظاهرِ، نقيض الكفاءات وعبر ترشيحات إلهية! لا يمكن اقصاء من يقع الاختيار عليه، وليس مقبولًا أن ينحسب المختار، حتى لو خجلّ وقرر الاختفاء، فقد وقع عليه اصطفاء الآلهة لهُ، ومن تنتقيهِ الآلهة لا ينسحب وإلا فقد حظوّة البقاء في مدينةِ المحاصصة التي ظاهرها ترف وداخلها جدب. ولهذا السبب لا نرى بهذه المدينة وغيرها من المدن المنسوخة عنها سوى قحط أدبي يرتدي قناع ثراء وهو في الجوهر هراء. فقد صنعت آلهة الترشيحات قوالب جاهزة، ونظمت كرنفالات تنكرية، وأضيئت قناديل اصطناعية بديلًا للشموع، ثم قسطت المكافآت بدرجاتٍ متفاوتة، بحسب المحاصصة التي أزمعت على تشكيلها آلهة الثقافة! وهنا تجري مسابقة هزلية حسم الفائزون خلالها سلفًا، ورافقها تصفيق تم شراءه مسبقاً وهكذا انتهى المهرجان الذي ابتكرتهُ الماكينة الإلهية من خلف الكواليس، ببهجةٍ غامرة أمام الكواليس.

هذا هو سر الطهي الثقافي! خلف الكواليس ويوزع أمام الكواليس، ويسمى بالعرس الثقافي وهو بحقيقة الأمر عُ … ثقافي!   

زمن الرواية المسكونة باللعنة السردية!

زمن الرواية

احمد جمعة

الحج الروائي مسكون باللعنة السردية.

1

الحج الأدبي، رحلة شاقة، ممتعة، يتيسر فيها القراءة التأملية لأمكنة مهجورة، مسكونة بالأحياء والأموات، ومشتقات الأزمنة، زيارة هاجسها اختراع شعور مغاير لشعور القراءة والكتابة، تَكَوّن وخلق رؤى لأمكنة ومغارات ومنازل موحشة، وسعيدة، جرت في بوتقتها الوقائع فقررتُ زيارتها لتعيش شهوة القراءة وتسترجع نكهة الأحداث الجسورة المرتبطة بالمكان، الحج إلى حيزِ الحدث، عودة لمربعِ الواقعة، زيارة الضريح والقلعة والدار، السفر للمدينة الكئيبة، القاسية، الحنونة، المسكونة بالوجع، رحلة لمكان الصراع، ملامسة أطرافه، التعايش مع الرائحة والرطوبة، مخالطة الوجوه، باختصار حج أدبي لقراءة مكان الحدث عقب قراءته على الورق.

حين ينوي القارئ العودة للمكان واسترجاع صورة ونكهة ما قرأ بالكتاب، يستنبط مشاعر مدهشة، غير مألوفة لما قرأه، تنتابه رعشة القراءة السحرية، تتشابك الحروف مع الطوب، تختلط الأوراق المرتابة بالحجارة السميكة، والوجوه الكالحة، الجميلة، بالأفكار التي صاحبت القراءة، فتعيش كقارئ للرواية، كما عاشها الراوي ذاته، فتدخل بالسرد وهنا جنون القراءة الذي نادراً وهذا كثير ما قاد قارئ جسور ليمتهن السرد بعد شهوة الحج الأدبي.

2

الحج الروائي، ابتكار الكاتب لأمكنته الساحرة لبدء التكوين السردي، زيارته للمكان بوصفه قلعة الحدث، جذوته، شعوذة السرد، جنونه، حرقة المعقدة، المتزامنة مع الخلق، زيارة مكان الحدث، حج يبدأ منه التكوين الروائي، حين أبدأ بالعودة لمكان الجريمة الإبداعية، كما يعود المجرم لساحة الجريمة، الكاتب يعود لساحة الحدث مع سبق الإصرار وهو يعلم بجريمته، أن القارئ من بعده سيكشف لغز المكان حين يتوغل بالقراءة. كثيراً ما عدت لساحة جريمة السرد برغبة في تعميق دراما المكان وتحفيز القارئ بالغوص في التفاصيل المروعة لرقعة الحدث، لا توجد رواية جسورة بلا مكان خرافي، لا تفلح رواية ما لم تلمس منطقة الحدث المحرمة، بل لا نكهة لرواية لا تعالج أسطورة المكان لهذا يسبق السرد الحج لمكان الواقعة بالرواية. هناك حج أدبي للقارئ، يعاين مكان الحدث بالقراءة، لكن هناك اختراع للتو، تكوين آخر لحج روائي يزور فيه السارد المكان ومعالجته قبل بدء الخلق، أسمي ذلك بالحج الروائي.

 

3

كهوف، حانات، أوكار دعارة، مساجد وكنائس، قلاع ومحيطات، مدن، ساحات حروب، حيث تتركز الوجوه وتذوب أو تنتفخ، تضحى جميعها مزارات لكاتب وقت التكوين الروائي، لا حدود ولا خطوط حمراء، لا وقائع مسكوت عنها، لابد من اقتحام ملكوت المسكوت عنه، بكل التفاصيل، التي يكمن فيها الشيطان، بشري كان، أم جن، الالتحام بالمشردين والوجهاء والأعيان والمهمشين، عاهرات وراهبات على السواء، كل الأمكنة مباحة للكاتب، وكل الممارسات مسموح فيها، كل الكهوف متاح اقتحامها، وإلا السطحية تصبح مجزرة الكاتب، لا رواية بلا مجازفة، لا رواية بدون جسارة، حج الأديب للأمكنة، ضرورة قصوى كحالة الطوارئ ساعة الانقلاب، تسقط الممنوعات، تذبل الرقابات، ينتحر الرقيب عند بوابة السرد حول المسكوت عنه، من يجرؤ على ذلك غير الروائي، الانتحاري، الذي يتجاوز بجنونه وجسارته ذاك المعتوه الذي يفجر نفسه بحزام ناسف ومعه أبرياء، الروائي الانتحاري يرتدي حزام ناسف من كلمات لا القنابل.

لا رواية أخلاقية بالمطلق، فالرواية ضد الفضيلة الملهاة، الفضيلة والأخلاق بالسرد مصطلحات مخترع نسبي، فما هو فضيلة هنا، رذيلة هناك، في مكان  S  الإنجاب خارج شركة الزواج فضيلة، وفي مكان K الزواج من بنت العم والخال رذيلة، إذن اختراع الأخلاق يتلاشى بالسرد وتبقى الكتابة وحدها، شاهد على عنفوان الإبداع. الحج للأمكنة مهما كانت فاسدة، أو مثيرة، أو معتمة، هو شرط الروائي لبناء العلاقة مع المكان، لترك أثر بالجدار، لنسخ صورة للواقعة، لتصوير الواقع بالخيال، لدمج السحر بالجنون. يقول ارنست همنغواي”أحبُ النومَ فحياتي تميلُ إلى الانهيارِ عندما أكون مستيقظا المكان الوحيد الذي يليق بالكاتب، ذاته، عزلته المتفردة، يضيف همنغواي”لا بأس بحياة العزلة، إن لم تجد نصفاً آخر، فكثيراً ما يكون الكمال في كونك وحيداً”.

سأحج ما استطعت سبيلا، سأرتاد الأمكنة، سأداوي الجروح بالزيارات الخاطفة الملعونة للأمكنة، لفهم الوقائع قبل الكتابة وأثنائها وبعدها، هكذا تأتي الرواية، من الأمكنة الموبوءة والمحتقنة، أنه الحج الأعظم للسرد، يرافقه خيال جامح، رواية، صعبة المنال، تنبثق من أمكنة الخيال وَتُدمج بالواقع، تكشف المستور، تتوسد زياراتك للمكان، إحساس بحياة واقعية، رغم خرافتها، ففي الأمكنة قدسية، وهالة، سواء كانت كنسية، أو وكر دعارة، حانة أو مسجد، ساحة حرب، مستنقع رذيلة، جميعها تتساوى فيها أرواح البشر، يتقاسمون أوجاعهم، لا فرق، بين وجع راهب، وألم مومس، وموت جندي، بالأمكنة تشرع شمس وحيدة بالكون، وقمر واحد يضيء على الجميع. الحج الروائي منتهي القدسية الأدبية.