مقطع من رواية
رقصة أخيرة على قمر أزرق
(تصدر قريباً) ***Final_Dance_Cover5

مبارك
هبت موجة رياح شمالية دافئة من دون غبار على غير المعتاد، دفعت بخليفة أن يخرج من عزلته ويتسكع في الشوارع بسيارته الصغيرة والتي تنبعث منها نكهة عطر محلي قوى الرائحة سببت له الصداع المزمن من دون أن يعرف مصدر هذا الوجع الذي يشطر جبهته ويتسلل إلى فكيه حتى يبلغ لثته الداخلية التي يتسرب لها الألم دون أن يدرك أن الرائحة التي يرشها على المقاعد ثم يرمي بالزجاجة داخل خزانة السيارة هو مصدر هذا الألم الشديد، حتى تكيّف معه ولم يصل بعد لمصدر الوجع الكامن في زجاجة دهن العود التي كلما فرغت أودع الخزانة أخرى جديدة، كان يظن أن الصداع مصدره الغبار، حين خرج وسط ضوء ما قبل المساء والرياح الخالية من الرطوبة التي هبت باردة قليلاً من الشمال مع غيوم صغيرة متناثرة في أطراف سماء أحياء المحرق جعلته يحتار في مصدر الوجع الذي عاوده حالما دلف السيارة، تحمل الألم النصفي في الرأس وأدار المحرك للمرة الثالثة لينطلق على غير هدى في الشوارع المحيطة بحي الحالة المحاذي للساحل الجنوبي حيث كانت دار الشيخ سيار ليفاجئ بأعمدة أسمنتية هائلة الحجم تصعد السماء معلنة عن بناء سلسلة عمارات جديدة عند طرف الساحل البحري بمواجهة الطريق العام المؤدي إلى شارع الحوض الجاف لينفتح على جسر الشيخ خليفة المؤدي بدوره إلى المنامة، وهو الجسر الثالث الذي ينشأ بين المحرق والمنامة العاصمة في السنوات الأخيرة، كانت المنطقة بالنسبة له جديدة وكل معالمها لا ترتبط في ذهنه بحقبة البحر التي لم يعش منها سوى الأيام الأخيرة، على هامش بقايا الذكريات السحيقة التي شهدت فيها تلك الدار غراميات الهوى المفعم بالغرائز الجسدية، منذ ذلك الحين لم تعلق بذاكرته سوى ما سمعه من الحكايات والخرافات والأساطير البشرية لأناس من الطبقات المسحوقة والمهمشة التي سكنت على حافة الحياة مع بساطة متناهية في العيش على ضوء القمر وصيد السمك والتسلل في الليالي المعتمة إلى الدور السرية والسمر مع أغنيات الزمن الجميل لأم كلثوم وعبد الحليم حتى الفجر، مع وجبات الليل الدسمة التي تختم بها اللحظات الحميمة ولا يبق سوى رائحة السمك والتوابل وآهات وتنهدات الأجساد المتعبة التي تفرغ سوائلها من إرهاق اليوم السالف كله.
بقدر ما انشغل خليفة بتقصي أخبار نسيمة بقدر ما واجه ضغوط جماعة الإخوان المرشح هو على قائمتهم للإنتخابات، ومن جهتها راحت نعوم تضغط عليه بنظراتها المشككة فيما يدور حوله، وقد دفعتها هواجسها وظنونها للاتصال بابنها مبارك والذي تقطعت به سبل الوصل منذ أن افترق الاثنان وزاد من التباعد بينهما ماضي الاثنين ذي الصلة بالفكر الماركسي لدى بدايات نمو الوعي السياسي أثناء موجة المد اليساري، حين جذبهما بعض المنتمين إلى المنظمات السرية، وان كان مبارك لم يبرح مكانه بعد حتى وهو يسبح على سطح بحر السلف إلا أنه ظل حبيس الوعي اليساري متعمداً إخفاء جوهره الإيديولوجي رغبة في مسايرة المد السلفي الذي رأى فيه جواز المرور إلى عالم النفوذ والثراء والسلطة، ورغم ما كان يربط مبارك بخليفة من وله وحب وعشق وبينهما نعوم، إلا أن كل منهما وجد حرجاً في جهة الآخر، فظلا على مسافة بعيدة، صيف يأتي وشتاء ينقضي، سحابة تمطر ورطوبة تسود وذكريات الفصول لا تبارح مخيلة الإثنين كلما انطلقت رائحة الثوم والبصل وبهارات نعوم ولطوف حين كانت الدار البحرية تحتوي الجميع، من اغتصاب لطوف لمبارك وعشق سلمان لنعوم وهيام خليفة بها من جهة وحكايات الشيخين الراحلين من جهة أخرى، كل الزوايا والنكهات وما رافقها من مشاعر الوجع والألم والضياع كانت تنطق عن وجود حنين بين الاثنين، لكنهما ظلا أسيران الحرج وخجل الذكريات وخشية الماضي، كانا يلتقيان في الأعياد ومناسبات العزاء ويفترقان عند منعطفات الدروب المعتمة المثقلة بشجون قديمة سادت في وقت كانت الدار تشرق عليها شمس الحرمان والغفران والمحرمات، وكومة من أحاسيس الضياع حين كانا يعبران طرقات الحي ويتنفسان روائح البيوت والمنازل تنبعث منها بهارات محترقة ورائحة أجساد متعرقة، وحتى روائح المضاجعة كانت تنفذها مكيفات الهواء عبر فتحات وشقوق المنازل حين كان الحي يعج بشهوات وشبق الجميع ولم يكن هناك ما يشغل النساء والرجال غير الأكل والنوم.
مضت أيام وساعات قبل أن يكتشف خليفة تورطه في البحث عن شبح امرأة لم ير منها وجه أو فم أو عينان تسحره، وكل ما جذبه خبر تناقله سكان الحي ونشر باقتضاب في الجرائد المحلية عن اختفاء المرأة، حتى حينها لم يلفت ذلك اهتمامه لولا طفرة من شعور مباغت تبعته سلسلة هواجس انبثقت فجأة عندما كان يقف مقابل البحر ويسرح في موجه الساكن المشوب بطبقة من غبار مفترق الفصول الذي يغطي مساحة الأفق، داهمته حينها ما يشبه نوبة من وله أشبه بنوبة ذعر، ومن لحظتها لم تبرح نسيمة ذهنه وتسللت كفيروس في وجدانه، وها هو يقف أمام كل الوجوه التي كان يهرب منها بسبب ماضيه وماضيهم ليتوصل إلى ثقب صغير يؤكد له هاجسه بأنها في مكان ما وليست تحت التراب كما يشاع، هذا الشعور بوجود حياة وراء لشائعات، تنبئ بأن نسيمة ما زالت حية ترزق، وقد دفعه حاسته لتشمم أخبار مبارك الذي كانت صلته به كتوأم روحي للتجسس عليه، لعله يصل لبعض الأسرار، فقد جمعت بينهما ريح المحرق وشوارعها وتقلبات أمزجة ناسها، ولا ينسي مغامرات ليلة تبدأ منذ الغروب ولا تنتهي إلا مع الفجر حين تنشق السماء عن ضوء أصفر باهت يعلن انبثاق النهار،كانت سهرتهما تمتد إلى ما بعد الأذان وسط مشاعر الشكوك والخوف من المجهول الذي كان يواجههما، امتدت صلتهما إلى منتصف الليالي القمرية حينما كانا يتسلقان الشجن بكؤوس الثمالة ويهيمان وسط بحيرة العرق أو وسط موجة برد خلال الصيف والشتاء، هذه الصلة التي كانت نعوم تتوسطها وتوطدها بحكم هيام خليفة بها وكونها والدة مبارك، حرّضه على إعادة خيوط التواصل لمعرفة مزيد من التفاصيل عن فرخندة ومن ثم نسيمة.
لا شيء يوازي الرياح الشمالية التي تهب وتشيع في النفوس بهجة تزيح كآبة الأوقات الرتيبة وتُنعّم المشاعر ببعض الإستقرار فيتدفق المرح إلى وجوه السكان، سواء كانوا يسكنون السواحل والمناطق البحرية أو داخل المدن المكتظة بغازات عوادم السيارات والإختناقات المرورية التي سببتها أعمال الإنشاءات وهي تجتاح شوارع المدن والقرى وتكاد لا تنتهي، كان اليوم الذي قرر فيه خليفة اللقاء بمبارك يتميز بانسياب الهدوء إلى نفسه والشعور برضى عن ذاته الملتهبة بشحنة من شبق جنسي اعتاد عليه منذ كان يلهو في الدار مع لطوف، حيث تعود تلك المشاعر الجنسية إلى سن مبكرة عندما سمي مبارك في ليلة ظنتها نسوة الحي ليلة مباركة، وبعد سنوات من تلك الولادة التي شابتها المناكفات والإشاعات فتح عينيه على كون من البشر والكائنات المختلفة التي تعاطي معها في درب الحياة الطويلة وكانت الشهوة الجنسية ترافق الأوقات شديدة الوطأة حيث الحرارة والبرودة ولا تمنعه من الاسترسال مع الأجساد المتعرقة، تنبعث منها ورائحة الحموضة، إلى أن وقعت عينيه على سوق العاهرات الروسيات والأوزباكستانيات، فكان هذا بمثابة فتح جديد له في مسار حياته الجنسية.
لا يختلف شعور الرغبة بامتلاك جسد المرأة لدى مبارك عن ذات الشعور الذي كان ينتاب الشيخ سيار، ولعل مرجع ذلك يعود إلى مرض حسي أشبه بالحمى الشبقية التي تتولد مع الخلايا الحية التي تنمو وهي متلازمة مع الاحتكاك اليومي وتفاصيل الحياة المتنامية، لقد كانت لعبة لطوف التي مارستها معه منذ نعومة أظفاره واعتمدتها معه على مداعبة أعضائه الحساسة حتى أدت إلى إشعال رغباته المسعورة تجاه الجنس، فكانت حياته البدائية والعشوائية وهو بسن العاشرة قد اتجهت نحو الصبيان لانعدام المناخ الأنثوي ولتفاعل الكبت مع الأجواء الكئيبة المشبعة ببخار الشمس الناتج عن العيش بمحاذاة البحر وتمازج الغبار اليومي القادم من أفق الصحراء خلف الحدود، كان الكبت والغبار وغازات السماء تتناوب على حرق مسافاته الزمنية بين الطفولة والمراهقة والشباب والعزلة المصحوبة بالتوتر، إنه مازال يسبح في بحر لطوف التي مزقت بكارته البتول منذ سنين الطفولة، فصحا على هوس الجسد الأنثوي وها هو يعبر مسافات الرجولة الملوثة ببعض الطلاسم التي تنتظر امرأة وَلهه تفجر فيه مناخاً استوائياً لرغباته المكبوتة وتحط تلك البذرة الحسية على غصنه العطش للحب، وجد في العاهرات الروسيات المنتشرات بين المنامة ودبي ملاذاً من الوحدة والعزلة القسرية، كان الصوت الداخلي مشوشاً في أعماق ذاته المتلهفة للحب، ورغم خشيته من صدمة الحب الذي يتطلع إليه كلما أنتشر حوله طيف فتاة أو امرأة تسبقها رائحة عطر، فيشعر بأن رائحة نبيذ أحمر تتسلل إلى رئتيه فينتشي حد الثمالة لبقية أطراف أعضائه المخدرة لكثرة الاستمناء، فيبدأ صوته المكبوت في توسيع فجوة الشكوك بمشاعره وتتلاعب الأفكار السلبية بعقله الواعي الذي لا يملك السيطرة عليه، كانت الدنيا تلك اللحظة عبارة عن امرأة تغازله في يقظة الزمن الذي يسند رأسه على أقرب وسادة، أو مقعد وتبحر كلمات الذات تتنازع أعماقه المنعزلة السجينة.

****

الكاتب: loutes99

روائي بحريني اصدر العديد من الروايات والمسرحيات والدراسات للمؤلف ... - شهرزاد الحلم والواقع مسرحية مجلة الأقلام العراقية - الصعود الى المنحدر الرمادي مسرحية مجلة الأقلام العراقية - ابونواس يرقص الديسكو مسرحية......دار الفارابي– 1982 - فنجان قهوة للرئيس مسرحية دار الفارابي - سينما التحولات دراسة نقدية لسينما يوسف شاهين ....دار الربيعان للنشر والتوزيع – الكويت 1986 - كرة الرماد دراسة – وزارة الإعلام – البحرين - الديمقراطية الالكترونية دراسة مؤسسة الأيام للنشر التوزيع البحرين - 1997 - الديمقراطية الانقلابية دراسة في مشروع الإصلاح البحريني- مؤسسة الأيام للنشر والتوزيع البحرين 2005 - بيضة القمر رواية – المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2001 - قمر باريسي رواية المؤسسة العربية للدراسات والنشر– 2009 - الخراف الضالة رواية دار الفارابي - رقصة أخيرة على قمر أزرق - رواية - يسرا البريطانية - رواية - خريف الكرز رواية - حرب البنفسج رواية - لص القمر سنمار الإخباري صدرت مؤخرًا - القرنفل التبريزي - ابو العلاء المعري تصدر قريبًا عن دار الفارابي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s