رواية احمد جمعة في القائمة الطويلة “يسرا البريطانية”

رواية احمد جمعة في القائمة الطويلة “يسرا البريطانية”

Picture 096

دخلت رواية “يسرا البريطانية” دائرة السباق  للقائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب ضمن عدد من الأعمال العربية المنافسة، فقد اعلنت ادارة

جائزة الشيخ زايدللكتاب عن القائمة الطويلة للمرشحين في فرع “الآداب” أمس

أبوظبي 21 ديسمبر 2016 – أعلنت جائزة الشيخ زايد للكتاب القائمة الطويلة للمرشحين في دورتها الحادية عشرة، حيث اشتملت القائمة الخاصة بفرع الآداب على 12 عملاً من أصل 274 عملاً (نصوص سردية وشعرية) ينتمى مؤلفوها إلى 29 دولة،   تعود الغالبية العظمى منها إلى مصر وسوريا والمغرب والأردن والسعودية ولبنان والعراق والإمارات وتونس إضافة الى هولندا وكندا والنرويج والمملكة المتحدة وارتيريا والسويد واستراليا وبلجيكا.

تضم القائمة الطويلة في فرع (الآداباثني عشر عملاً،  صدر ثلاثة منها عن دار الساقي في بيروت وهي: رواية “خريف البراءة” للكاتب اللبناني عباس بيضون (2016)، ورواية “منتجع الساحرات” للكاتب السوداني أمير تاج السّر (2015)، ورواية “ألواح” للكاتب اللبناني رشيد الضعيف (2016)، بالإضافة الى إصدارين من إصدارات الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، هما رواية “أن تحبك جيهان” للكاتب مكاوي سعيد – مصر (2015) ورواية “في فمي لؤلؤة” للكاتبة الإماراتية ميسون صقر (2016).

كما تضم القائمة الطويلة روايتين من منشورات المركز الثقافي العربي في الدار البيضاء هما “خيط الروح” للكاتب والأكاديمي المغربي مبارك ربيع (2015)، و”لعبة المغزل ” للروائي الإرتيري حجي جابر (2015).

أمّا باقي الأعمال فقد توزّعت كالآتي: ديوان شعر “السوريّون” للشاعر  التونسي المنصف الوهايبي، من إصدارات دار آفاق برسبكتيف للنشر بتونس (2016)، ورواية “جائزة التوأم” للكاتبة العراقية ميسلون هادي ، من منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت (2016)، ورواية “يسرا البريطانية” للإعلامي والكاتب البحريني أحمد جمعة، من منشورات الفارابي – بيروت (2015)، ورواية “الظهور الثاني لابن لعبون” للكاتب الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل ومن اصدارات نوفا بلس للنشر والتوزيع – الكويت (2016) ، وأخيراً ديوان شعر “مطر سرّي” للشاعر  الأردني/الفلسطيني زهير أبوشايب من إصدارات الأهلية للنشر والتوزيع – عمّان ( 2016).

وكانت جائزة الشيخ زايد للكتاب أعلنت في بيانات صحفية سابقة القوائم الطويلة في فروع: التنمية وبناء الدولة ، والفنون والدراسات النقدية، وأدب الطفل ،والمؤلف الشاب، والترجمة ، لتعلن خلال الأسابيع القادمة عن العناوين  الخاصة بالقائمة الطويلة في فرع الثقافة العربية في اللغات الأخرى

ما هي قصة يسرا البريطانية؟يسرا البريطانية 2 18-5-2015 - Copy

تغيير العالم بالقوة وإحداث الفرق في الكون، كان ذلك هو المصير الذي ارتبطت بها وسارت على بساط من الجمر، كائنات تقتات على الموت لتصل للحياة وتقتات على الحياة لتدخل نطاق الموت، سلاسل من الكمائن لابد من عبورها للنجاة في النهاية ولكن ما هي التكلفة؟

يسرا القرمزي أو يسرا البريطانية، حكاية تروي مسافة طويلة لرحلة شاقة تعبرها الفتاة العربية بنت منطقة الزبير بالعراق والتي امتدت دروب ليست معبدة منذ نعومة أظافرها مرت خلالها بالحرب العراقية الايرانية ثم  بحربي الخليج تحرير الكويت وإسقاط صدام حسين ثم بالحرب الرابعة مع الارهاب عبر داعش والقاعدة….

مرت بالعواصم المختلفة انطلاقاً من الزبير بالبصرة في العراق، مروراً سوريا، لبنان، البحرين، دبي، بريطانيا، سويسرا، مرة أخرى العراق ثم أربيل بشمال العراق.

بدأت رحلة العذاب لاجئة في بريطانيا ثم حملت الجنسية البريطانية لتحارب في عاصفة من الملايين تدفقت عليها حتى تستقر في قلب الزلزال الارهابي الذي وضعها في زنزانة انفرادية منتظرة حكم الاعدام من التنظيم المسلح الذي تورطت فيه أو معه.

رواية شاقة تقع في 408 صفحة من الحجم المتوسط تروي تلك الرحلة السندبادية  لفتاة اختطفها فخ البريق العالمي، مال وسهرات وفنادق ثم براري وصحارى وخرائب لتقبع وسط كائنات لا تؤمن إلا بالموت طريق لتحرير الذات، تعبر من خلاله بالتنظيمات المسلحة والمطارات وبالعمل في الفنادق وصحبة الخطرين من الرجال الذين يقودون تغيير العالم بالقوة والخداع ونصب الفخاخ.. كيف لها أن تتعايش مع هذه الشبكة المنفلتة من العنف والسياسات المتلاحقة كأمواج المحيط؟

 

 [من الزبير إلى حلب إلى البحرين ودبي وحتى بريطانيا ثم كردستان، هل وقعت في يد داعش وخرجت؟ أم كان هناك قدر رسم لها تحولاً إلى فخ نصبته المخابرات؟]

عرفت أن الخطوط الحمراء موجودة في كل مكان من هذه الدنيا، لكنها لم يُخيل لها أن هناك عرشاً من الرماح ينتظر جلوسها عليه لأيام، تتحمل جبالاً من المشاعر المنذرة بالرعب القادم، سمعت عن المحاكم الثورية والعسكرية الميدانية السريعة، لكنها لم تتصور أن هناك من ذهب من النساء والرجال وحتى الأطفال للإعدام، لمحت في ساعة صفاء ذهني نادرة شبح نجوى القطان فوق سطح الدار تنشر الملابس المغسولة على الحبل، ومن بينها البذلة العسكرية لجبار الشريف، تراءى لها طيف لطفلة صغيرة تقف على بعد خطوات من المرأة تتطلع للزي العسكري، فترى فيه شموخ الرمزي لشيء يبعث إحساساً لم تدركه ساعتها، لاح لها الآن على مقربة من الموت، ساد الصمت أيامها التالية وهي محتجزة في حجيرة مكتظة بالنمل والحشرات، يعلوها سقفاً خشبياً، ينبعث منه الغبار طوال الوقت ويسبب لها السعال المتواصل، وصلت المكان عبر ناقلة كبيرة محملة بالمواد عبرت بها الطريق معصوبة العينين لم تعرف شكل من كان يرافقها على الناقلة ولا هويته ولا العدد، باستثناء صوت رجل كان يسعل بين فترة وأخرى

 تروي حكاية يسرا  عن جبار الشريف القرمزي

تتناول الرواية تطور قصة يسرا المرأة الزبيرية ذات الأصول والجذور “النيادة”: مع مراحل تحولاتها

  • يسرا القرمزي
  • يسرا البريطانية
  • يسرا الإرهابية

ومحطات عبورها خلال الرحلة الممتدة عبر سنوات الجمر من الزبير إلى حلب إلى الحدود اللبنانية، السورية، التركية، والعراقية مرورا بالبحرين ودبي ولندن

 

مقطع من الرواية:

 

أفاقت على وقع أقدام عند الفجر، وقبل بزوغ الشمس، فُتح الباب وهي ما كادت تغط عينيها بعد ساعات طويلة من أرق مزمن، كسر صرير الباب الخشبي سكون الفجر، ولامست أقدام الرجل أرض الحجرة، نفضت عنها الغطاء القطني المهلهل والمزركش وجلست القرفصاء وسط صمت الرجل الذي بدا وجهه منتفخاً من النوم، نظر إليها وقال متسائلاً.

 “ألم تسمعي أذان الفجر، كالعادة تغطين في النوم كالميتة؟

 “ما المتعة في تكرار كلمة الموت” بدا على وجهها الذعر من هيئة الرجل الواقف كالصنم لا يتحرك فيه أي جزء من جسمه، حتى عينيه بدتا جاحظتين لا ترمشان ولا مرة كأنهما عينان زجاجيتان “ماذا يحمل معه لي في هذا الفجر المظلم فجأة؟
خرج عن صمته وقال بنبرة آمرة.

 “قومي اغتسلي وصلي الفجر، سنأخذك في جولة، لقد انتهت إقامتك هنا
فجأة سمع دوي انفجار على بعد، تلاحقت أنفاسها وبدأت ترتجف من البرد وظلت حبيسة المكان كأنها لم تسمع الرجل الذي نهرها بلهجة شديدة آمرة، خارت قواها، لم تستوعب الموقف، مازال يغلبها النعاس والإرهاق.

 “هل سيعدمونني؟

 “لا ليس اليوم

هناك إعدام إذن

على بعد ساعتين وصلت الشاحنة لبناية داخل المدينة المهدمة بفعل القصف، وهي تنقل عدداً من الرجال الملتحين من دون أن يحملوا بنادق أو بنادق آلية كما كان الحال في المرة التي جيء بها إلى المكان، لم تُعصب عينيها هذه المرة، رأت خلال الساعتين المنصرمتين طرق وعرة وشوارع مرصوفة وبنايات وسيارات مدمرة، لكن البلدة التي دخلتها لم تكن بها أية كثافة سكانية، ظهر بعض الصبية يعبرون الطرقات وانتشرت بعض القطط والكلاب الضالة، وبرزت براميل القمامة مهشمة أو محترقة فيما غطت النفايات بعض زوايا الطرقات وأغلقت أغلب المحال أبوابها وبدت المدينة أقرب ما تكون إلى الهدنة، راقبت كل تلك المناظر لعلها تتبين المكان لكن أحدهم من فرط ثرثرته مر على ذكر القائم “عدت قريبة من الهدف، لعنة على هذا الزمن، مرة أقترب ومرة أبتعد” عندما توقفت الناقلة بالقرب موقف للسيارات هبط الجميع باستثنائها، أشار لها السائق بالانتظار، ظلت لأكثر من خمسة وثلاثين دقيقة حتى وصلت سيارة صغيرة، هبط منها أحد المسلحين الملثمين واقتادها للسيارة وانطلق بأقصى سرعة بعد أن عصب عينيها، في البداية ساد صمت تخلله صوت محرك السيارة الجيب، ثم تسلل صوتها معطوباً ينم عن حزن داخلي عميق تحمله نبرة مكسورة.

حزب الشاي والرقابة الذاتية !!!

حزب الشاي والرقابة الذاتية !!! صدر مؤخراً كتاب [ حزب الشاي الوطني الديمقراطي] وهو سلسلة مقالات للكاتب نشرت في السنوات الأخيرة بعضها حذفت منه الكثير من الفقرات وبعضه لم ينشر وبعض أثار استياء وغضب بع…

المصدر: حزب الشاي والرقابة الذاتية !!!

حزب الشاي والرقابة الذاتية !!!

حزب الشاي والرقابة الذاتية !!!

حزب الشاي01

صدر مؤخراً كتاب [ حزب الشاي الوطني الديمقراطي] وهو سلسلة مقالات للكاتب نشرت في السنوات الأخيرة بعضها حذفت منه الكثير من الفقرات وبعضه لم ينشر وبعض أثار استياء وغضب بعض الدوائر، بل كانت هناك في وقت ما بعض الضغوط بحذف كل ما يتعلق بالسفير الأمريكي في البحرين غير  أن الكتاب صدر مؤخراً متضمنا كامل المقالات بدون حذف سطر أو حتى كلمة واحدة وهو دليل قاطع على حرية النشر المكفولة في البلاد بعكس  ما يشيع المغرضون، وما الرقابة على المقالات الصحفية ما هي الا من صنع رؤساء تحرير الصحف المحلية الذين يبالغون في فرض الرقابة الذاتية على الكتاب والصحفيين .

الكتاب يوزع حالياً في المكتبات ومعرض الكتاب بالمكتبة الوطنية بفروعها شارع المعارض

مقهى السماء من رواية (خريف الكرز) احمد جمعة

مقهى السماء من رواية (خريف الكرز) احمد جمعة حانت ساعة المغادرة، شرفة لندن أوشكت على النفاد، ونوافذها تتهيأ للإقفال، تذكر تقي رحلة الغوض وتلك الشرفة المشرعة على الشهور الأربعة والخمسة إذ تنأى الطي…

المصدر: مقهى السماء من رواية (خريف الكرز) احمد جمعة

مقهى السماء من رواية (خريف الكرز) احمد جمعة

 

خريف الكرز - رواية احمد جمعة تصدر قريبا
خريف الكرز – رواية احمد جمعة
تصدر قريبا

scan-00231

مقهى السماء

من رواية (خريف الكرز)

احمد جمعة

حانت ساعة المغادرة، شرفة لندن أوشكت على النفاد، ونوافذها تتهيأ للإقفال، تذكر تقي رحلة الغوض وتلك الشرفة المشرعة على الشهور الأربعة والخمسة إذ تنأى الطيور عن الرحيل من فوق الصواري ويغيب الرجال في الأزمان الموحشة حيث يحرثون البحر لجني الماس من القاع، جواهر وعقود تعلق في أعناق نساء العالم بينما على الحافة تُبْتَر أطراف الغاصة بين فكي أسماك القرش، كانت تلك الشرفة التي قادته لمنزل راشد وجوري تتأرجح مع الريح، ساعة مع جوري وساعة مع راشد، شتات هنا وهناك، ثم فرار من وجه الألم لتسطع النجوم في سماء لندن، وتبدو السماء ذاتها، سماء المنامة وسماء لندن واحدة، جوري وإفيلين امرأتان في قلبٍ واحد. ويستذكر سفيان أنفاس النساء ولهاث الليل الطويل والشروع في الانسلاخ عن الجسد الخاطئ ثم العودة والنفي الاختياري، ماذا تبقى من العائلة في المنامة ولندن؟ عاصمة الرطوبة والغبار والحر الفتاك وعاصمة الضباب والعتمة والكآبة، تنفصل العوالم وتتفتت النجوم لتعود تتشكل في سماء أخرى. تقي وسفيان سماء واحدة وقمر تائه وأرض منفية وسعادة آنية، إنها ذات الرواية التي تشكلت منذ البداية من أرض المحرق ثم ارتحلت للمنافي.

الرواية تقترب من نهاية البداية، شيري، أنجيلا وإيف ودوامة أخرى من الحب والنُزوح والهجر، لكل رواية نهاية وبداية، مثل مقهى السماء تلتف حولها النجوم وتسرح الغيوم وتجتمع الوجوه كأنها خُلِقت الآن وتوشك على الرحيل الآن، حول هذه المقهى يتحلق أبطال الرواية إذ يحاصرهم الوقت الذي يوشك على الانتهاء وتقترب النهايات من بعضها كحال الدنيا وهي تشهد ولادات ووفيات، وجوه تفر وتختفي ووجوه تحتفل بميلادها كما هي الصورة الأوسع.

*** 

وسط الأضواء الهادئة ذات الأسيجة الملونة تحلق الجمع، وبرزت الجدران بلون البحر وازدان السقف بالنجوم الفضية، بدا المكان كأنه قرية سماوية معلقة خارج الأرض وهؤلاء سكانها فقط.

” يقيد المرء منا نفسه بنفسه لأنه عاجز عن رؤية ذاته حرة، آمل منكم جميعاً أن تتحرروا الليلة من كل الأغلال، الحب، المرض، الهجر، الفقر والضياع.

صمت برهة ثم واصل مستدركاً وهو يبتسم.

“لكن يمكن التغاضي عن الاحتيال.

ضحك الجميع ثم ساد الصمت برهة كسرته خطوات اثنين من الندلاء دلفا يحملان بعض الأطباق غير تلك التي على الطاولة الدائرية التي حرص منظمها أن تكون على هذا الشكل.

“أنا سعيدة لمجرد أني هنا، لا تعنيني الشكليات.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حرائر الزبير من رواية يسرا البريطانية

حرائر الزبير من رواية يسرا البريطانية كانت ترتدي قميصاً أزرقاً وفوقه سترة سوداء، مع تنوره في الأسفل على غير عادتها، لم تكن في بهرجتها المعتادة، لم تضع أي بودرة أساس واكتفت بحمرة خفيفة على شفتيها، و…

المصدر: حرائر الزبير من رواية يسرا البريطانية

حرائر الزبير من رواية يسرا البريطانية

uu100%d9%8a%d8%b3%d8%b1%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%b7%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-2-18-5-2015-copy

حرائر الزبير

من رواية يسرا البريطانية

كانت ترتدي قميصاً أزرقاً وفوقه سترة سوداء، مع تنوره في الأسفل على غير عادتها، لم تكن في بهرجتها المعتادة، لم تضع أي بودرة أساس واكتفت بحمرة خفيفة على شفتيها، وبدا كما لو كانت خارجة للتو من الحمام، قادتها من يدها بخفة وحنان متعمدة منحها شعور بالطمأنينة لثاني شقة في الممر الذي بدا واسعاً، كانت الأرضية مكسوة بالبورسلين الناعم بلون البيج الفاتح، أحست من خلاله بالحذر في الخطى وهي ترتدي حذاء الكعب، حين دلفت الصالة الواسعة، ظهر المشهد غريباً، لا علاقة له بشخصية المرأة الفاتنة المتحررة، كان لون الجدران زيتي مائل للرمادي والكنبات والمقاعد كلاسيك باللون البني، لفتت انتباهها لوحات بعضها لآيات قرآنية كتبت بخطوط مزخرفة، وهناك لوحتان للكعبة وأخرى لجمل في الصحراء، لم يكن هناك تلفاز ولا أي من الأجهزة المعتادة باستثناء جهاز كمبيوتر على مكتب بالقرب من نافذة أسدلت عليها ستارة رمادية قاتمة اللون، نُقش عليها طيور حمام سوداء، تأملت تلك الستارة لبرهة وسرحت وراء البحار وحطت عند الشفق المسائي بمحيط الزبير إثر الحرب الأمريكية على العراق، كانت طيور الحمام تندفع بسرعة قصوى لتصطدم بنوافذ المنازل والسيارات، لتسقط سكرة من شدة السموم والغازات التي خلفتها ليالي القصف العنيفة بالطائرات المحلقة طوال اليوم، محطمة كل ما تحلق فوقه، كانت تلك الغازات والأدخنة المنبعثة من حقول الغاز التي تغطي الأفق وتحجب الغيوم، خلفت وراءها آلاف الطيور نافقة، تذكرت تلك الحمامة كم كانت مرعوبة من دوي صدمتها بنافذة غرفتها، أفزعتها وهي تسقط خلف جدار المنزل، كانت بيضاء ولكنها تحولت لقطعة ملطخة بالزيت والدخان الأسود، وعندما نزلت تتفحصها وجدتها ترقص مختنقة لا تكاد تتنفس، ودت لو تجهز عليها لتنهي عذابها ولكنها تجمدت في مكانها مكتفية بتأملها حتى لفظت أنفاسها، أفاقت من تأملها للستارة على صوت من الغرفة الداخلية لعبد الباسط عبد الصمد يتلو سورة الحشر، مع خطوات البشرواي قادمة تحمل صينية عليها كأسي عصير “بلو بيري” مع صحن صغير يحتوي قطع بسكويت مستطيلة، جاءها صوتها قبل أن تجلس تبادر مبتسمة.
” حيا الله يسرا البريطانية”
فاجأتها بلفظ يسرا البريطانية الذي كان محصوراً في دائرة ضيقة بفندق الهوليدي إن بلندن، أثار فيها ذلك الفضول من جديد حول المرأة التي جاءت بها إلى هذه البناية، التي لا تبدو على هيئة سكن ولا مكاتب أو مقر لمؤسسة، تجاوزت تلك الأسئلة الداخلية واكتفت بالقول من خلال نبرة مقتضبة.
” لماذا التكليف؟”
جلست قبالتها على كنبة مفردة وقد أخرجت علبة سجائرها وسحبت واحدة ومدت العلبة ليسرا التي استلت هي الأخرى واحدة وهي تقول.
“كنت ترصديني، هل أنا محقة؟”
لفت انتباهها المكان برمته، لا علاقة لها بشخصية المرأة القابعة أمامها، فالصورة ما زالت مبهمة بل وازدادت غموضاً ببروز مسحة دينية على المكان، قارنت بين آثار الغرف التي كانت تسكنها بالفندقين سواء بفندق لندن داون تاون أو بكينغستون، الدلائل كانت كلها تشير إلى تحررها، بل وكانت آثار قد تركتها وراءها تشير لتناولها الكحول فيما هنا صوت تسجيل لقرآن يتلوه جهاز التسجيل بالإضافة لطابع المكان الذي لا يدل على طبيعتها المتحررة، تقبلت الغموض بشكوك في محاولة لسبر غورها ولكن الأخرى قطعت عليها أفكارها وهي تبادرها بنبرة لا تخلو من الذكاء الممزوج بالمكر.
“أنت من الزبير وأنا من الزبير، أنت عراقية وأنا سعودية، أنت فقيرة معدمة وأنا كذلك حتى التقيت بالأخوة الزبيريين، أنت عانيت من التهميش وأنا كذلك وكان مقدر لنا أن نلتقي بهذه الصورة”.
“ما دخل الزبير في هذا كله؟” أول ما خطر على بالها وهي تنظر نحوها وتبحث عن جواب في ملامحها وعن سمات تدل على خيط يربط بين المرأة أمامها وبين الزبير وحلب ودبي والبحرين وكل المسافات والأمكنة التي قطعتها لتستقر في بريطانيا وتلتقي هذه المرأة التي أدركت للتو بأنها كانت تطاردها ” ولكن منذ متى بدأت الملاحقة؟” هذا ما جال في بالها وهي تحدق فيها إلى أن أيقظتها مرة أخرى عبارتها الباردة.
“أعرف أنك متشككة، وهذه طبيعتك ولكن لنبقى على الأقل صديقتين وأساعدك على الوصول لجذورك التي انقطعت عن الزبير، أنا زبيرية وهذه هي البداية”.
عند نهاية عبارتها نهضت واستأذنتها بنظرة مع ابتسامة وهزت رأسها وهي تغادر الغرفة تاركةً يسرا وحدها وسط كومة من الأفكار المتشعبة والشكوك التي تضاعفت من حولها “ماذا تريد مني ولا تبوح به؟” عادت تتأمل المكان وتحدق في الأشياء من حولها لعلها تستكشف مزيداً من الدلائل حول ما يجري، رأت سجادة للصلاة على المنضدة بقرب الباب، وقعت عيناها على بشت أبيض معلق في زاوية وتمثال لنخلة مع سبحة بنية اللون على طرف طاولة وعصا يد مسندة على الجدار وظهرت سدرة رأس رجالية على طاولة صغيرة بزاوية أخرى من الغرفة، ولاحظت مبخر قديم يقبع فوق دولاب ملابس مغلق، بدا لها المكان يعج بالتناقضات، حاولت استشفاف ولو خيط دقيق يوحي بين المكان هنا وبين الزبير كما تدعي المرأة ” لا توجد نكهة الزبير ولكن هناك بعض السمات الدالة على القبلية والعشائرية التي ورثتها من بيئتها السعودية ” أين أنا؟”
فاجأتها البشرواي قادمة وهي ترتدي ملابس عباءة سوداء كشفت من أمامها عن فستان أزرق فاتح مطرزة أطرفه عند الأسفل وسرحت شعرها وبدت كامرأة من الزبير وبيدها حملت ألبوماً كبيراً اقتربت من يسرا ودعتها للجلوس بجانبها على الكنبة الطويلة، فتحت ألبوم الصور وراحت تستعرض الصورة الأولى القديمة لرجل يرتدي الثوب الزبيري مع الغترة والعقال وعليه بشت رمادي وبيده مسبحة وقف بالقرب من سوق شعبي قديم ومن خلفه ظهر متجر للملابس الرجالية.
” يدعى سوق العقيل”
شعرت يسرا بارتعاش في أطراف جسدها ولاحظت شعيرات يدها الصغيرة ذات اللون الذهبي تقف مشدودة مع ضربات سريعة تصدر من قلبها تلاه خفقان سريع لمعدتها، كانت واجمة وهي تشم عطر قديم يأتي من المرأة بجانبها التي استرسلت في الحديث قائلة بصوت خفيف امتزج بنبرة حزن عميقة.
” أنت من أهل الزبير، وأنا من نجد، أهلي وأهلك، بلادنا الزبير العريقة التي استباحها الغرباء، جئنا من أرضنا الأصيلة وتشردنا في الكرة الأرضية، هناك الفروع التي انحدرت من نجد والكويت والبصرة، قد لا تعرفين اليوم شيئاً عن والدتك ووالدك وأخوتك ولكن تذكري أن كل الشجرة الموجودة اليوم هم أهلك وأنت تعيشين هنا وحيدة”
التقطت أنفاسها وتطلعت في عينيها وبدتا كما لو تدمعان ثم استأنفت وقد شابت صوتها حشرجة وهي تضيف.
“البسام وآل عبدالرزاق وآل الحسن والسميط والمرزوق، هل تعرفين عن أهل نجد من سدير وحَرمَه؟ لقد نزحوا من هنا إلى هناك ومن أرض لأخرى ولكنهم لم يتوقعوا أن تضيع أرضهم ويتيه أحفادهم في بلاد الله الواسعة، لقد كنا جميعاً في الصحراء العربية ونتيجة الخلافات مع بعضنا التحق من التحق، بالكويت والبعض بالبصرة ومنها الزبير ومن بقى في الصحراء جئت أنا منهم”
أمسكت البشراوي بيد يسرا وراحت تضغط عليها واسترسلت الكلام وقد بدا من صوتها وكأنها تلملم جراح عميقة محفورة في أعماقها.
” انظري أين وصلنا، نحن الذين كنا الحرائر في محيطنا وكنا نملك مفتاح الجنة، بلغنا الحضيض، هل تظنين أنني كما هو مظهري الخارجي؟ وأنتِ أين كنت؟ تزيلين قذارة حثالة البشر، تنظفين برازهم مقابل جنيهات حقيرة، هل أنت راضية عن هذا القاع السحيق الذي انزلقت فيه لأن هناك من سرق بيتك وأقام فيه وشرد أسرتك، من بقى الآن من أهلك؟”
تركت يدها واستلت سيجارة من علبتها الحمراء وسط ذهول يسرا التي ما انفكت الدموع محبوسة بداخل عينيها فيما الأخرى تمسح حبيبات العرق من جبينها رغم برودة الطقس.
“كنا شيوخ وعائلات وقبائل وعشائر، كنا نملك البساتين والمياه والفضاء وأصبحنا اليوم مشردين في شوارع لندن، بذمتك ألا تودين العودة لمنزلك بالزبير وتحتضنين النوافذ والأبواب والسماء وتتنسمين هواء الفضاء حتى لو كان ملوثاً برائحة الغاز والبترول؟”
“ماذا أفعل؟”
قالتها أخيراً بعد أن انزلقت الدموع من عينيها وانخرطت في البكاء وقد انفجر مخزن الماضي بداخلها وانتثرت قصاصات الصور لسيقان القصب غارقة في المستنقعات والبردى، والعقيد جبار الشريف الذي رحل للجبهة ولم يعد، لنجوى القطان وصوتها الهادر باستمرار وأحاديثها عن عائلتها الكويتية، الشقيقين فراس الأكبر الذي انتزع من طفولته والتحق بالجبهة، وسام التائه وسط الأزقة والأحياء والمزارع مطارداً الكلاب، عن وجوه الطالبات وصديقاتها ومدرساتها وأقلامها وأحلامها وشهاداتها المكدسة في أدرج صناديقها الصغيرة المخبئة بغرفتها العلوية، عن الأوراق الصفراء المتساقطة من شجرة اللوز خلف جدار المنزل، وعن عصافير الصباح على نافذتها.
غابت سعاد البشرراوي لثوانٍ عدة وعادت وبيدها ورقة قدمتها ليسرا التي طالعتها والذهول يحيط بها بعد أن جففت دموعها، أخذت الورقة من يد يسرا وقالت بنبرة حادة على عكس النبرة الهادئة قبل قليل.
” قد لا تفهمين معنى اللغز الذي يحيط بنا أنا وأنت ومئات نساء العرب المشتتين في أرجاء الكون ولكن سأقرأ لك المعنى المراد من هذه الورقة..
الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه العزيز ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) والصلاة والسلام على أشرف المرسلين القائل إنما النساء شقائق الرجال “
نهضت يسرا وألقت بنفسها على سعاد البشرواي واحتضنتها الأخيرة بحرارة.
” سعاد”
ردت الأخرى بنبرة خاطفة.
” ليس هذا اسمي الحقيقي!!”

نبذة عن رواية (الخراف الضالة) .. لاحمد جمعة

  نبذة عن رواية (الخراف الضالة) .. لاحمد جمعة المنافسة في القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد           نبذة عن رواية (الخراف الضالة) .. لاحمد جمعة المنافسة في القائمة الطويلة لجائزة ا…

المصدر: نبذة عن رواية (الخراف الضالة) .. لاحمد جمعة