البحث عن آلهة فراشة!!

تبحث عن إنسان كان يومًا ما محوّر الكوْن، ثم يخبأ ولا نسمة أو ضوء شمعة أو دمعة ينبئ عن مكانه، هذه دلالة وحشية، مريعة لخرافةِ الكوّن وسعي الإنسان ليكون المحوّر من دون أدنى شكّ فيما إذا كان بيومٍ ما سيكون نقطة لا حجم لها.

كم أستغرب فيما كنتُ أُطارد شبح هذه الأيام، كان في ساعةِ غفلةٍ من هذا العالم الخرافي، الواقعي هو من يُشكل عناوين الأحداث، يُطارِد ويُطارَد، يزرع الرعب والحب معًا، صدقًا هذا ما كان عليه وما كنتُ أراقبه ولا كنت أخشاه بينما كانت أجهزة الرعب الأمنية بكافةِ فروعها الدموية، السريّة والعلنيّة بنظام صدام حسين تطاردهُ خوفًا كما لوكان جيشًا بحجم الولايات المتحدة. ولا تستغربوا فقد كان الجيش مجرّد امرأة، بل فتاة عراقية، كانت طفلة تعيش على ضفاف الأهوار التي قام صدام بتجفيفها للقضاء على عدو وهمي…

عاشت طفلةً ونمَت على هذه الضفاف شاهدة على تحطيم حلمها منذ الطفولة وتمزيق أسرتها وكسرها قبل حتى أن تينع، كانت غصنًا طريًا كل عالمها حقيبة مدرستها التي ضاعت في زحمة صواعق الرعب التي أمطرتها سماء ازدحمت بأدوات القيامة تمطر كل شبر من العراق لقتلِ دكتاتور واحد يُدعى صدام…كانت غريبة وقتها ولكنه انفجرت على عالمٍ مفْزُع أبَت ألا أن تكون مثلهُ وتتحوّل لمحورٍ من محاور الكوْن الشريرة، وصارت هدف ما تبقى من نظام صدام ومن استخبارات بريطانية، وأجهزة سريّة وعناوين غامضة وشبح تخشاه كل الأنظمة والمنظمات حتى وقعت في شبكة داعش بفطرةٍ غريزيّة من تحدٍ وخرجت منها كخرافةٍ، لم تطلها يد ولم تمسها نسمة هواء. كانت تظهر وتختفي، بلغت قاع الحياة العميقة على وزنِ الدول العميقة، وانتهى الأمر كريشةٍ في الهواء تداعبها مرّة النسمات من وادٍ وأدوات الموت من وادٍ آخر حتى حطت مؤخرًا على غصن شجرة بظلالٍ من أرض العراق “أربيل” وهناك لم تستسلم بل وضعت رأسها على وسادة الحلم متمنيّة أن يعود بها الحلم مرّة أخرى لتعيد الكرَّة بذات الأسطوانة التي أدارت رأس الكوّن.

مفارقة الحياة، كانت تبحث عني ذات يوم ولم تجدني والآن أبحث عنها وتلاشت كنجمةٍ وراء جبلٍ من غيومٍ داكنة، كهذه الساعة الآن من وضع المنطقة. من حلمٍ إلى حلمٍ يتغيّر الكوّن ولكن الغالبيّة متحجِرة لا تتغيّر.

أحب أن تكون ساكنًا

كأنك غائب

وتسمعني من بعيد

وصوتي لا يلمسك.

بابلو نيرودا

مات الناقد، عاش الناقد!!

ليل النقد الطويل…

مات الناقد، عاش الناقد، لم أكن أنوي، لم أخطّط مطلقًا بساعةِ نحس أو غيرها بنقد الناقد، قطعيًا، بلا استثناء، لولا، أقول وبمرارة لولا، قراءتي لرواية خلابة/ مجنونة، وحشية، بعنوان “ليل تشيلي” لروبرتو بولانيو، الذي رحل في… وفيه غصّة النقد، والنقاد…رواية تقول أشياء كثيرة، مؤلمة، ذكرتني، بعزلة الناقد الصديق البعيد، القريب من الذهن الأستاذ أحمد المناعي، عزلته، هجره، صمته، هو الرد على طغيان الذكريات، ذكريات النقد والنقاد، وموت النقد الآن…

أقسمتُ؟! لا لم أقسم وإلا ما تجرأت على الكتابة…لولا رواية ليل تشيلي لم يستحضرنِ الصمت للبوح ببعض الأحاجي: مثل رشوة النقاد، رشوتهم بمؤلفاتك، رشوتهم بعلاقة مجاملة، مشوبة بفنجان قهوة، بهواء طلق بمقهى على رصيف ممل، مضجر، كلّ شيء يأتي بعد ذلك، انطباعات، ملاحظات، مجاملات، إلا النقد…قرأتُ منذ مدة طويلة من ركن الفضول بيّ: بضعة سطور مما سمي بمديح نقدي عن أسوء رواية بتاريخ البشرية…تصور!

اعتقدتُ أنّني غير مذهول، غير مستغرب، غير…لكن صدمتني رغبة في فهم كيف يرتدي الناقد حذاء أطول من قدميه؟ طنّنتُ أنّني أمام نقاد!! كهذا تطالعنا أنباء الأدب عندنا حتى رأيت بأم عيني، جدارية عملاقة كُتب عليها: النقد بهدية، النقد، بعلاقة، النقد بفنجان قهوة…والأغرب في السؤال أين النقاد؟

أما عن الصحافة؟!! السخافة الأدبية؟ تلك حكاية لا تستحق…الموضوع لا يستحق أكثر من 200 كلمة!

ابنة غامضة تفجر الكوْن…عنوان رواية

صدرت مؤخرًا عن دار اسكرايب- القاهرة

رواية “ابنة هوى” لأحمد جمعة

“عندما يكون الإنسان مكبلاً بالسلاسل الحديدية منذ طفولته، سيعتقد أن هذه السلاسل جزءًا من جسده”

رينيه ديكارت

                      *

لا تيأس إذا مزقت الرياح العاتيّة شراعك، فربما دفعتك هذه الرياح لغايتك.

أحمد جمعة

هاتين العبارتين تتصدران الرواية وتدللان على طبيعة المحتوى وما يحمله من تعقيد النفس البشرية.

تستهل الرواية بطفرةٍ عاطفية لعلاقةٍ سريعة خاطفة بين قارئة وكاتب، سرعان ما تقفز تلك الصورة الأولى لانفجار بركان علاقات وشيجة بالماضي وصندوق باندورا كما في الميثولوجيا الاغريقية، كهف أسرار شرور وغريزة النفس البشرية، يتمثل في جشع وافتراء ووهن بالحياة وللدلالة ليس للشرور بقدر ما يتضمن من أسرار وغموض وعالم مبهم من العلاقات حتى يقود ليفرز ابنة وتاريخ وحياة غير متوقعة بين رجل وامرأة، كلاهما عاشا خارج العالم الواقعي ثم سقطا في واقع عرى كل شيء وبشر بابنة غير شرعيّة كانت محور حياة الكون، هدّد فتح صندوق باندورا المجرّة برمتِها وحوّل حياة أسرتين من عالمٍ هادئ مستقر إلى فوهة بركان. 

تمضي الرواية بسياقات متعدِّدة في تلازم بين الاحداث والشخصيات رغم تباين الأمكنة والثقافات الاجتماعية والمهنيّة، تحمل الرواية أفكارًا فلسفية حول ثنائيّة الحياة وتهديد المرض والموت بالتوازن مع الحبّ وغربته، مع بطل رئيسي هو- صندوق باندورا –

فكما هو الإنسان سبب في جعل حياة الآخرين سعيدة، فهو كذلك سببًا في دمار حياتهم! هذا التناقض والتباين الغرائبي يدلّل على صعوبة فهم النفس البشرية، فنحن نحمل في دواخلنا أكثر من شخصية، تبرز في أوقاتٍ معينة، وقد تظهر أكثر من شخصية في نفس الوقت في تعقيدٍ متشابك وعصي على الفهم، يتداخل مع السياسة والمنافي والأوطان والعبور بمفترق حياة عبر الإصابة بسرطان يعيد رسم خطوط الحياة من البداية الجديدة التي تفجر الرواية في النهاية عن عالم غير العالم الذي رسمته الحياة والأقدار.

عندما تنهي يومك مع الأخرين بلا حروب وترهات تنام بالليل وسط قلب السكون والسلام مع نفسك، حينها يصبح العالم ملكك…هذا ما تنتهي إليه ابنة هوى أحمد جمعة، الرواية الصادرة مؤخرًا!!!

الروائي الذي يعمل على انطاق الصمت

  البلاد: أسامة الماجد   قبل أيام زرت الكاتب والروائي القدير الزميل أحمد جمعة في منزله، وتبادلنا أطراف الحديث أو كما يقال ” ثرثرة مثقفين” ووجدته يعيش تجارب حقيقية عميقة صادقة مع الرواية، مندفعا إلى الأمام محطما كل ما يواجهه من حواجز أو صعوبات. جوهر العبقرية يكمن دوما في انفعال فريد متقد، يتوهج داخل شخصية فريدة متقدة، تندفع دوما مع آلامها وأفراحها في مغامرة لا تحدها حدود، ولا تأبه بقاعدة، وزميلنا أحمد جمعة كذلك. وجدته يشتغل على رواية جديدة وكأنه يعمل على إنطاق الصمت في أجواء تشبه الأساطير بكل الثيمات والنماذج، وأي رواية يكتبها تتحرك وفق حركة دائرية نهبط فيها إلى ظلام العالم السفلي ، لنعود من هناك إلى ضياء عالم سعيد والى بعض من رموز ذلك العالم. روايات أحمد جمعة تعطي الذهن شيئا من الحيوية وتصفع الكثير من القناعات الروائية البالية التي ابتليت فيها الساحة العربية، ومن هنا فهي تحفز على البحث وتفجير كل الخصائص التي من شأنها أن تعزز رحلة البحث، لأن كاتبها احد طليعة كتّاب الرواية في الوطن العربي، وواحد من قلائل من كتابنا الذين تميزوا بصوت خاص في الرواية في مملكة البحرين بكل الألفاظ والعبارات. ومن يتأمل في الأعمال الروائية التي حظيت بشهرة عربية واسعة والتي وضعت كاتبنا أحمد جمعة في مصاف الكّتاب الذين طبقت شهرتهم الآفاق، فإنه سوف يقع على حقيقة مفادها أنها ملازمة وتعكس أزمة الإنسان المعاصر على المستوى الفردي والجماعي، وتتميز بالأفكار المتمردة العاصفة والباحثة ترافقها نكهة شعرية تتحرك في عالم غريب بمقدار ماهو مدهش. قرأت معظم روايات احمد جمعة ،  القرنفل التبريزي، يسرا البريطانية، حرب البنفسج، لص القمر، شاي مع ماريو فيتالي، رقصة أخيرة على قمر أزرق، بيضة القمر، الخراف الضالة، خريف العرش، شارع النحس، خريف الكرز، قمر باريسي، وغيرها، وحاليا أغوص بين أعماق روايته الأخيرة الغانية والبحر، ولن أكون مبالغا أن قلت إنها ضرورية ضرورة الخبز واللقمة للحياة بالنسبة للمهتمين والقراء وحتى الأدباء أنفسهم لأنها روايات تعطيهم الصورة الكلية لمعنى الإبداع.  

وحدي والحرية خارج السرب!

وحدي والحرية خارج السرب!

“الكاتب لا ينهي روايته أبدًا بل يتخلى عنها”- غابرييل ماركيز

كرنينِ الذهب ووزنه تفوق الحرية الكرة الأرضيّة، إنها الحرية…

تنويه: هذا المقال كتبته وعدتُ اليوم قراءته وأنا أغادر صحراء الصحف الورقية العربية، لرحاب أوسع من الحرية ملأت فيه الرواية كل مداري:

حان وقت إجازة للتنفُّس بعد أربعون سنة كتابة… وفاء للحرف والكلمة والقلم، ما أعظمها من حساسيّة، الكاتب غير الصحفي، هذا ما فهمتهُ بعد تجربة حقبة أربعين سنة برحى طواحين الكتابة وأتون القلم، بين مجلة وجريدة وصحيفة، وهنا أيضًا فرق لن أدخل بالتفاصيل…لم أتعب يومًا ولم أتوقّف بسبب مرض أو سفر أو إجازة إلا بحالةٍ طارئة خارج سور الإرادة حين يستعصي القلم وتبدو النفس تتوق للتنفُّس والتحرُّر من مسئولية الكلمة…أشعر بأنّني كنت سجين الكلمة، لكونِها عصيّة على الكاتب عندما يدرك حساسيتها…فتخيّل أربعون سنة تحمل على ظهرك جبل اسمهُ الكتابة الحرّة.

لا أقول تعبت ولكن حان فاصل أخذ استراحة، تنفُّس ونقاهة وتحرُّر من عبئ الوقت ومواعيد الكتابة ومطاردة التسليم وردود الفعل، والاكتفاء بكتابة خارج السرب حتى لا أكون ملتزمًا بمسئوليّة مرهقة كالتي حملتها لسنواتٍ…مع جرائد ورقيّة انتهى موسم الورق في أنحاء العالم وحلّت مواسم التحليق والتألُّق في فضاءات الكترونيّة بلا قيود.

القلم يتعب قبل الكاتب صدقوني لذلك استقال وحلَّ مكانه الكيبورد…والكيبورد مغري بدرجةٍ لا تُصدق للكتابة ولكنه لا يقل خطورة وتهوُّر عن القلم لا فرق بينهما برحلةِ الكتابة، تأخذك مسافات تعلم أو لا مداها…كنت بهذه المدّة كاتبًا مسئولًا أمام نفسي ومجتمعي، مسئولاً أمام الحياة ذاتها… لم أُجرح ولم أتعد ولم أسيء ويكفيني أنّني لم أتورّط بترهاتِ ردود وشجارات ومماحكات عقيمة، لأنني كنت أدرك أن الأسلوب هو الكاتب …أكتب ما تشاء ما يخلد برأسك بطريقة يقرأها الجميع من دون تعريض أو تحريض أو إساءة هذا هو الكاتب. لا تكن عبدًا لإيديولوجيا ولا تستبدل الإله بصنم أو صنم بأيِّ إله. لا تخشى العالم لو ثار ضدك لأنك ستكتشف بعد حين هذا العالم قد سار على طريقك. أنت وعقلك المستنير خارج مدار القطيع وهذا يكفيك اليوم في عالمٍ حُرّ.

ربما هذا الأسلوب أتعبني وربما أبعدني عن الإثارة وربما لم يعجب البعض أو يُغري البعض ولكنه اسلوبي الأثير الذي جعل من الراحل الكبير سمو رئيس الوزراء خليفة بن سلمان طيب الله ثراهُ يقول لي يومًا وبحضور الجميع…”لا تتوقف يا أحمد عن الكتابة لأنك تعرف ما تكتب عنهُ”…هذه صعوبة القلم والكلمة والحرف، أنك تعرف ما تكتب عنه ولهذا تعاني… لم أعاني يومًا! فقد كنت أنسج مقالاتي من وحي ما أعرفه وأحسهُ وأؤمن به حتى لو خالفت السرب ونقضت الموروث وهذه مجازفة وجسارة!

مقابل أربعون سنة حروف وكلمات وخطوط حمراء وصفراء وخضراء، وذهن منهك وأفكار تحتشد وطريق طويل متشعِّب وبعد رحيل من ظلّ حافزًا للكتابة أجد نفسي بحاجةٍ للتنفُّس لوقتٍ ولفترة أرى خلالها من زاوية مختلفة…لم أهجر الكتابة بالطبع فهي الأوكسجين بدونه تغادر الروح ولكن للتنفُّس من جديد وبأشكال مختلفة، فهي وقفة تأمُّل مع الذات والموضوع أفهم ما يجري؟ لأنّني بلغتُ ناصية أسميتها التفكُّر. ولأنني بمنطقة حساسة الوفاء فيها نادر!

تسقط الأورق مؤقتًا وتبقى الأغصان أبدًا لتوْرق ثانية!

من رواية “ابنة زنا” تصدر لاحقًا

“عفاف، فرح هي والدتك الحقيقيّة، مني أنا بالطبع”!!

 رنين هذه العِبارة خالد في رأسي ومعه سيلٌ من حمّم بركانيّة، نهرٌ لا نهاية له، بحرٌ من الرمال المتحرِّكة تقفز بيّ من كوكبِ الأرض إلى كوكب مسخ وتعود بيّ لكوكب الأرض فأجد الواقع ليس واقعًا والخيال ليس خيالاً وأنا لست أنا، وكل ما عرفته مرّرت به وحلمت به وسافر في خيالي، كان سرابًا ما عدا يوسف وفرح اللذين صارا هما ما بعد الواقع. أقفلت عليّ الباب لليلتين سديميتين ظلّلتُ أحصي في عتمتهما أعداد السنين والشهور والأيام التي جمعتُ خلالها النجوم في السماء وحضنت الأقمار في كل ليلة أسبح فيها عبر الشرفات والنوافذ يحدثني عن السهر والليل والنجوم ونرسم معًا كحالمين بالتغيير على طريق الأحلام وسُبل تحقيقها…ليلتان لم أنم فيهما ولم احتسِ سوى جرعات مياه ومسكن من أقراص زناكس، اعتدتُ كل عام على ابتلاع حبة أو حبتين أستعيرهما من أبيّ عندما أكون بألم الدورة الشهرية حينما تخرج عن السيطرة أو بحالة نفسيّة تستدعي الذوبان في غيبوبةٍ أخرج منها بعد جولة نفسيّة تخيّم عليّ ظلال قاتمة، لا تفسير لمصدرها سوى العزلة، ينتشلني الأب الأسطوري الذي لا أقارنه بإنسانٍ سوى به هو ذاته. لم يطرُّق الباب سوى مرة واحدة وكأنما يخشى المواجّهة معي، وبالمرة التالية كانت فرح التي طرقت الباب بعد إجرائها عملية غسل الكليّة ثم صمت حتى يئستُ وضاق صدري وكاد ينشطر فاستدرجتُ يوسف بحيلة أنّني أريد العودة للديار وكانت تلك صدمة الموسم الصاعقة، فهو يدرك حجم كرة الرماد المعجونة بالخيبة التي فوق رأسي من ظلال الوطن ومدى بغضائي لترابه لمجرّد العودة للظلال الكئيبة تحت سقف غرفتي التي لا أكاد أغادرها. كانت حيلة مُفبركة لاستدراجه وإخضاعه لموجة تأنيب لا يخرج منها انتقامًا مما لحق بيّ من تزوير. أما فرح فقد أجلت مهمتي الرمادية معها حتى أفكِّر بكيفيّة التعاطيّ والتحُكم بانفعالاتي مع “شقيقتي” سهام خلف من والدتي فرح التي أودّ أن أحكي معها عقديّ زمن حتى أعبر نفق العتمة التي كنت في قلبها السرّي وكيف مضت تلك الذكريات، أيام وليالي وساعات ودقائق وثواني، كيف تحملتُ كل هذا الغياب؟ هل كانت تعلم بتطور نمو ابنتها؟ وهل هي من أسمتني وهل أحبتني كما أحبت سهام ودينا؟ وووو وكل هذه الفضاءات التي غابت عني ماذا كانت تفعل هي غير الأحزان والذكريات وما الداعي للتخلي عني؟ يا للهول من هذه الأسئلة ومن أجوبتها الخرافيّة.

قبل استدراجي له ولعبتي التي بدأتُ أنسج خيوطها لأجعل منه إلعوبة بيدي وأنتقم ولو من أول يوم سرقني من وجودي الحقيقي وحشرني في العدم، طرقتُ بحذرٍ شديد شرفة سهام التي يفترض أن تكون شقيقتي ليس في الخيال الهندي بل هي الواقع الذي طارد أبي وما يفترض أن يكون والدنا نحن الاثنتين. اتصلتُ بها بعد منتصف الليلة الثانية وأعرف أنها لا تنام مثلي، أتاني صوتها يشي بنبرةٍ سماوية أدركتُ معها كيف ظلمتُ ابتكاراتها العصيّة على الفهم من أجل الوصول لشاطئ المرح الذي نحن فيه الآن:

“أظنّ الآن أنتِ بحكم أختي سهام، أم أنا مخطئة وما هذا سوى كابوس مرّ ببطء؟”

“ولماذا لا يكون حلمًا جميلًا عاد بنا إلى أرض الواقع؟”