
|

|
بواسطة كتابة رواية كالسفر إلى مجرة

إهداء إلى أنطون جيكوف
1
لأن الهروب من بدائية الحياة يريح قلب كاتب فقد الثقة بالعالم السطحي حوله فر بكبسولة شهوة، انجر يتقصي ملاذ غير آسن كمستنقع مليء بالورود أو بستان مكتظ بالحراب السامة، تبعدك الرواية عن الروتين القاسي كالذي يتمثل بسقوط طائرة ركاب وعلى متنها مئتي إنسان ويعبر الخبر طبلة أذنيك مرور ذبابة أمامك، أو كمصرع عشرات الأطفال بغارة خاطئة بشمال أو جنوب سوريا ولا يثير ذلك حسك لأنه بمكان بعيد عن بيتك ولسبب أعمق أنك لا تعرف أحداً من ذوي أولئك الضحايا. ما علاقة ذلك بكتابة الرواية؟ يسأل من لم يقرأ أنطون جيكوف أو ارنست همنغواي أو غابرييل غارياي ماركيز، لأن الأمر لا يعنيه فالرواية التي تشدك هي تلك التي تصف جسداً عارياً أكثر مما يثير خبر سقوط طائرة ركاب وهكذا يتداعى العالم وينهار كأنه علبة كارتون أو قطعة خشب طافحة فوق الماء، أي جنون للرواية يحتشد فيها البشر من كل الألوان والجنسيات وكل ما يهم ماذا يشكلون من شهرة؟ فحين يموت مئة طفل بغارة لطائرة أطلسية بحدود أفغانستان تجد الخبر بحافة صفحات الأخبار الهامشية بداخل الجريدة أو بذيل نشرة الأخبار بقناة العربية ولكن وتفاجئ بعد ساعة بخبر انتحار أحد المشاهير في هوليود مع سبق صحفي لخروج نجم الكرة كريستيانو من فريق ريال مدريد، خبران يحتلان صدر الصفحات الأولى وبدايات نشرات الأخبار حتى القارئ والمشاهد لن يتعاطف معك، سوف ينصرف لأخبار المشاهير وينشرها بوسائل التواصل الاجتماعي، هل رأيت مرة بحياتك خبر غارة على مخيم للأطفال بوسائل التواصل الاجتماعي أو بتغريدة لتويتر تبلغ آلاف القراءة؟
الهروب للرواية يخلصك من بدائية العالم ويفسر طعم الهدوء بمذاق نهارك الذي تشرق شمسه بكلمات مألوفة مثل صباح الخير وكيف حالك؟ وأين تسهر الليلة؟ ثم تمضي يومك بتعاسة لأنك لم تقرأ رواية لغارسيا ماركيز لتفهم ما هي الحياة وليس كيف تسير الحياة؟ إن لون الشمس بعد يوم ممطر هو البرتقالي ولكن بذهنك المدرب بالتبعية سترى لونها أصفراً باهت كورقة خريف برصيف طريق مكتظ بالأشجار وإذا كنت تعيش ببلدٍ لا توجد بأطرافه سوى النخيل فلن تفهم لماذا يعتبر الخريف أجمل من الربيع؟ لأنك لا تمر بيوم خريفي في وطن لا تزرع فيه الأشجار ولا تسقط أوراقه الصفراء على الطريق، هل يجيب هذا التأرجح غير العقلاني على سؤال لماذا الرواية؟… إهداء إلى أرنست همنغواي.
2
متعة الرواية بوحشية كلماتها التي تمطرها حوادث غامضة تدور بين كائنات غريزية تهاجر كالطيور بين أغصان يابسة بغاباتٍ كريستالية تشدك من نهارك الرصاصي حتى مساءك البنفسجي ولا تترك دقيقة تميز بين امرأة تصلي وتبيع الهوى وبين امرأة عارية تحمي شرفها بالدموع، لأنك مسير بعقائد صفراء ببطون كتب التاريخ سردت لك لآلاف السنين والحقب طلاسم مزركشة بالفتن تمضغها وتمضي بحياتك سعيداً لن تفهم معنى الرواية بهذا الزمن الذي أودعت كل رصيدك من المعرفة بتغريدة تويتر خاطفة مرت كأنها نسمة بيوم حار أشبعت جوعك لمعرفة لماذا تزدهر الرواية بمكان آخر من العالم بينما تموت بمكان آخر فيه؟
لقد كتب عليك أن لا تسافر لأبعد من حدود تويتر ولا أقصى من أخبار المشاهير لأن بذلك تسلية عظمى لعقلك المترهل الذي لا يحبذ ثقل أوزان ما يجري وراء أسوار اللاجئين بالعالم الذين يستحق كل نفس بشري منهم رواية تشهد على ميلاده وموته، فكم لاجئ عربي غرق بمحيط سحيق لا تعرف عنه شيئاً مقابل ثقافة مكعبة هائلة رسخت بعقلك عن بطل لعبة تنس بأقصى الأرض، هل رأيت الفرق أيها القارئ بين الرواية حين تبحث عن تائه بين أركان الكون وبين قطعة تغريدة تسبح مئات الكيلو ميترات لتقع فوق رأسك المربع كعلبة الطماطم؟ رواية الشيخ والبحر، ارنست همنغواي ورواية (……) شتان بين عالمين منشطرين أحدهما أسطوري وآخر متفسخ لكن أغلب قراء اليوم بعصر التواصل الاجتماعي يسبحون بمستنقع التفسخ، فالشيخ والبحر تقبع بمخازن الغبار وتخلوا منها المكتبات المتفسخة بعالمنا العربي بينما تعج بها مكتبات باريس ولندن ونيويورك وكأنها من إصدارات أمس، الفرق بين القراء كالفرق بين الليل والسجن فكلاهما مظلم لكن لأحدهما الشوك وللآخر السحر. نقرأ ونقرأ ونصاب بالتخمة ويظل العقل فارغ لأن عصر الرواية تغير منذ ازدهرت مهرجانات الورق بأطناب الأغلفة الصفراء ذات الحروف السامة والخالية من زهور الألم الذي عاشه غوغول وجيكوف وشتاينبيك ونجيب محفوظ، أضحى وادي الرواية خالياً من العشب ونكهة السرد الخرافي. زمن الرواية يزدهر في الغرب وبالعالم كما لم يحدث من قبل وزمن الرواية بمحيطنا ينضب كنهر مملكة الحيرة الذي تحول لصحراء رصاصية اللون… إهداء إلى نجيب محفوظ
3
ماذا يؤلم الروائي غير غض الطرف عن المسكوت عنه؟ مخدر الكتابة أحد الآلام التي تسببها الغيبوبة حين ينتشي السرد وتوغل بالغابات الضبابية ويلوذ الأبطال كل بمرفأ ينتظر انفجار الحدث، تثيرك كآبة ما بعد الجنس، ينتشر دخان الانفجار بأرجاء المكان وبأبعاد الزمان فتقع الفوضى العارمة بأنحاء الرواية وعلى الروائي الجسور تحريك الخيوط المشتعلة بالضوء والسير على الماء بأقدام مشتعلة بالنار للملمة المسافات المتبقية من حريق الغابات. لاشيء يوازي الثورة العاطفية والانتكاسة النفسية مع الوقائع الأصلية بالرواية لعدم وجود مسارات روتينية كئيبة تحكم النسيج وإلا ما عاد للمسكوت عنه واقعية، فسحر السرد وجنونه هما في الوصف الصوري وليس في عبارات غبية مرئية ظاهرية، فسحر السرد يكمن في الجوفي الذي يمزج الواقعي بالخيالي والسحري لتبزغ صور حقيقية بقدر الواقع المزري المصور، فكاميرا الروائي هي السحر ولكن من يعتقد ذلك غير المتألم بالكتابة والساهر خارج كهف الضجر؟ للرواية شأن يوازي يد الخالق الذي يشكل الخلق بصلصال الألم والبؤس وشرارة الاحتراق فتكون نطفة الخلق تلك الشخصيات الملتهبة التي تملك كيريزما جاذبية ولا تسقط بالسأم، التحدي للسارد هو الألم الآتي من رحم الواقع ونبشه واستخراج المومياء بداخله حية ترزق.. هكذا يتم الخلق السردي. ما يؤلم حقاً هو السرد المسكوت عنه، لا أولئك أيتام الورق الذين ينبشون بقايا الكلمات المستهلكة ثم يجمعونها بركام الورق لتظهر بشكل كراسات شمعية تبحث عن صيد بالكاميرات في أسواق عكاظ السنوية.
ما يؤلم الروائي تلاشيه بالانفجار ذاته مع الأبطال والشخصيات في الزمان والمكان، فما أسهل الكتابة بمداد الألوان المزركشة وأسهل من ذلك صنع العبارات بالورق كلعبة مكعبات يتم رصها بحكايات الأطفال الليلية ما قبل النوم، ما يؤلم هو السرد السحري الدموي المحفز للمجازفة بمسكوتٍ عنه بين خالق متألم ومخلوقات هامشية لا يعتني بها العالم إلا في الروايات الدامية فقط…إهداء لغابرييل غارسيا ماركيز
4
تدغدغ الرواية الألم بالكاتب وتقوده لجنون ناري ساعة خلق الوجوه وصياغة الأحاسيس، أنه خالق للأرواح البشرية دون إرادة التحكم فيها، لا تصنع الرواية الأحداث، الشخصيات المتناثرة بداخلها هي من تحرك الحياة فتخرج سيطرة الكاتب عن مسارها وتتحول الدمى التي تشكلت في البداية من عجين الصلصال إلى كائنات تتنفس الهواء ويلوذ القلم بالفرار لتتربع الرواية قمة الإبداع، لا قواعد رقابية ولا خطوط حمراء تعترض الطريق، تعبر الكلمات فجوة القلم السحري لتنفض الغبار عن المسكوت عنه وتتوغل بخفايا الظلام، تعري النفوس وتفضح ما وراء الستار، تتجاسر على التقاليد والقيم البالية، تفجر القوالب الجامدة بالواقع لتنزع الخوف من الأرواح الراكدة فتختلط الأوراق ويبدأ الكون بالاستماع لأنين المهمشين والمطاردين والعشاق والموجعين والضائعين بالمتاهات لتختتم النهايات بالبدايات، فلا توجد نهايات إلا وتضاجع البدايات، فالعشاق المحرومين من الشواطئ والموانئ والمتخفين بدهاليز الليل يلتحقون بملاجئ العتمة لينعموا بالسلام.
لن تكون رواية بمثابة تمثال جمال ما لم ترتدي الألم، رواية لا تحلق بالسماء ما لم تصاب بالجرح، رواية لا تخرج من هاوية الآلام البشرية هي كارتونة فارغة كدمية ملطخة بالألوان، الرواية، تلك المجنونة المتمردة على الواقع والمتحدية للقوانين والإجازات الرسمية، أي رواية تلك التي تروج بالواجهات الزجاجية ولا تعبر مرافئ الجوع والخوف والجسد؟ أي روائي ذاك الذي لا تكتسحه المشاعر المدمرة؟ عندما ترتدي الكلمات الماكياج تضحى مجرد حروف باللغة. الرواية هي جرح نازف لا يعالج بالمسكنات، الرواية حكاية معذبين وعشاق سعداء وهائمين بالطرق ووجوه هاربة من الألم إلى مرفأ السكينة، رجال، نساء، عمال، رجال أعمال، عاهرات، قواد ومنافقين، أطياف وأشباح وبشر محرومين ونساك ومحتالين ومصلين وملحدين، بوتقة بشرية وكتلة مشاعر تسمو بها العبارات صور تجر بعضها ولا ينتهي المسار بنهايات سعيدة أو حزينة، نهايات وبدايات مفتوحة بلا حدود ولا خطوط حمراء… إهداء إلى جون شتاينبيك.
بواسطة يهمني قارئ واحد يقرأ

Novel
Theif of Moon

” لص القمر
مقطع من الراوية
ما لم يَقله سنمار الإخباري عن بلادٍ جرفتها الثلوج المشتعلة، قالته آلهة لم تقبض الثمن كونها آلهة كونية، حتى أدركت متأخرة وهي في عزلتها مع الأفيال الضالة، وسط الفوضى الخلاقة أن ناطحات السحاب مهما علت لن تُغْنى عن الأكواخ، وكل خطيئة وراءها ذرة طهارة، صح ما قاله الإخباري عن بلدٍ شواطئها من حديد ومياهها زئبق فوار، طُرقها غابات للموت البطيء، أشجارها تمشي بلا أوراق تكسوها. وقعت الأحداث الدموية وعمت الأرجاء، أختل النظام برمته وفُقد التوازن وسار الجمع نحو حتفهم بلا خيلاء. توضأ البعض وظل البعض الطريق وبلغوا الطهارة بعد فوات الأوان لأن الأرض ابتلعت السماء ولأن الكون أختل فعزفت أركسترا صاخبة منبعها الثقوب الزرقاء، موسيقى سائلة من صخبها تصدعت الأرواح. لم يعش السنمار المعماري ليشهد نمو الناطحات إلى السماء ولم يسعه الوقت ليرى الجسور الملائكية تبتلع السيارات الفارهة والطائرات المزركشة بالوشوم والأنهار الجافة، جاء الإخباري قبل الألفية الثالثة بآلاف السنين في وقتٍ خلى من الآلهة.
بواسطة “حانة في السماء” رواية قادمة
بواسطة مئة عام على الثقافة ولا حزن!

الثقافة واجهة الحضارة لكل بلد وتمازج الثقافات هو الأصل في الحضارة العالمية فهذا يأخذ من ذاك والعكس والذين يدعون الغزو الثقافي أولئك مغلقي الأفق ومنعدمي الإنسانية إذا ما أُخذ بالاعتبار أن الثقافة هي الأصل في الحضارة، ليست هذه الديباجة سوى مقدمة للسؤال التالي..
منذ خمسين سنة حتى اليوم ما هو الجديد أو المختلف أو المتميز وغير المألوف في ثقافتنا؟ ماذا عن السينما ودعك من المسرح؟ ماذا عن نشر الكتاب العالمي الذي خارج الحدود ويعبر مساحات نحو العالم مترجماً أو مؤلفاً؟ ماذا عن الأغنية والموسيقى التي تجتاز هي الأخرى الحدود وتصل الآذان والأسماع عبر القارات؟ لقد عبرنا القرن العشرين وولجنا القرن الحادي والعشرون وها نحن على وشك الدخول في عقد جديد والمساحة الثقافية ما وزالت بحدود ما كانت عليه قبل مئة عام بل وربما أدني مما كانت عليه، ففي السبعينات من القرن الماضي كنا متفائلين بأن الثقافة على وشك اجتياز الحدود والشيء الوحيد الذي اجتاز الحدود هو الهاربين من وجه القانون.
صحيح ولا ننكر ما تحقق على صعيد التراث واليونسكو ومشروع طريق اللؤلؤ والكثير مما تبذله هيئة الثقافة والآثار لكن كل ذلك يضعنا أمام السؤال الملح وهو أين السينما والمسرح والموسيقى والكتاب الأغنية التي تجتاز الحدود وتعبر عن هذا التاريخ الحضاري والإنساني للإنسان في هذه الرقعة من العالم؟ لدينا تراث بمستوى عالمي متمثل في أرث البحر والجزر والصيد واللؤلؤ والغوص والأهازيج والأغاني كلها بمستوى عالمي فقط يراد لها من يحركها بالتفكير والمال ولا تقولوا الإمكانيات المالية، الموسيقى الأفريقية السوداء عبرت الحدود وأضحت عالمية وهي لا تملك سوى إيقاعاتها الحضارية.
كم ننفق على الرياضة بمختلف قطاعاتها؟ أعطوا الثقافة جزء يسير من مال الرياضة وسنجني ضعف ما نجنيه الآن من الرياضة وآمل إلا يفهم من كلامي التقليل من شأن الرياضة بقدر ما يرد الاعتبار للثقافة التي اكتفينا ببضعة أنشطة موسمية وبقدر مما تحقق ولا ننكر مستواه فيما يتعلق بالآثار لكن الثقافة العالمية اليوم هي أغنية عالمية وموسيقى عالمية وكتاب يعبر الحدود وسينما تعكس الواقع ومسرح غير تجاري أو تجريبي. الثقافة المقصودة هنا فيلم ينافس في المهرجانات العالمية أفضل من ألف نشاط وفعالية محلية تذهب أدراج الرياح. والثقافة المعنية كتاب يعبر الحدود أفضل من المنتج الحالي المكدس بالمخازن، وقس على ذلك الأفكار والمشاعر والانعكاسات التي ستنجم عن عبور ثقافتنا الحدود.
بيقيني ما دامت الرؤية مسدودة والفهم خاطئ لمعني الثقافة العالمية واليد قصيرة وبخيلة تجاه الأفكار والمبادرات والمحاولات التي قبرت بهذا الشأن فإن مئة عام أخرى ستنصرم ونحن ما زلنا بذات الحال، حتى مؤسساتنا الثقافية ذاتها الموجودة على الساحة تستنكر الثقافة وتقلل من مكانتها فماذا نتوقع؟
تنويرة: لن تر النجوم ما دمت لا تنظر للسماء.