يسهل تدمير الإنسان لو تحول لإله!

 

من رواية حرب البنفسج

IMG_2320

احمد جمعة

رواية

حرب البنفسج

لا تصدقوا شيء في هذه الرواية الخرافة، أنها الحقيقة،

فقد يسهل تدمير الإنسان لو تحول لإله

احمد جمعة

ماذا ينفع الفجر إذا لم نستيقظ؟

جورج كريستوف لشتينبرغ

توطئة لبنفسج 

من هي بنفسج؟ ساحرة أم ثائرة؟ من أين جاءت؟ وإلى أين ستمضي؟

الطفولة عادة ما تولد مع انزلاق المولود لوهلة خاطفة من الظلمة للنور، من الماء إلى اليابسة، حيث ينمو في مشيمة مياهٍ دافئة ثم ينزلق منه للخارج مع أولى قطرات الضوء ليشكل من حوله صدمة الولادة، من عالم التشكل لعالم الولادة الحية، تشرق الولادة من قلب عالم سري غامض لا يدركه الكائن الحي الذي عاش في سديمٍ أشبه بالثقب الأسود، يولد، يعبر الولادة، يخرج للنور، تبدأ خطوات الطفولة الأولى، يعيشها وتعبر معه بعفوية. لا توجد طفولة مخطط لها ولا توجد طفولة تتلبس الطفل، تنشأ الطفولة من الهواء والبحر والزمان والمكان، تكتشفها وتعيشها من دون أن تخطط لها، من عالمٍ صغير محدود كنا نظنه العالم كله، من هذه الفجوة الغامضة تُفتح نافذة بنفسجية نظنها العالم. من هذه الثغرة أطلت طفلة مهمشة شرسة تُدعى بنفسج قبعت قسراً دون إرادة بقاع الرق والعبودية، ثم استيقظت فجأةً.

هل سبق وحدث قبلاً أن رجع إنسان من الموت؟ هل عاد أحد حياً يرزق عقب رحيله؟

( 1 )

ولاية صور

من: 1868 

  لفظت شمس أغسطس المستعرة أنفاسها الأخيرة ونزعت عنها خيوطها الذهبية المتهدجة تحت أفق البحر الراكد كسجادة فارسية قديمة بالية انسلت أطرافها وبدت كخيوط المشط الخشبي المتهرئ، أطلت مدينة صور الساحلية من بين أنياب الغيوم السوداء تتنفس الهواء الساخن عبر رئتيها المنتهكتين من هول الحرارة الدبقة ورائحة البحر وعفن الأسماك النافقة المتكدسة على طول الساحل الذي بدا يعج بالسفن الخشبية العملاقة، وقد خلت من الحركة ولاحت كأنها مهجورة منذ أزلٍ غير محدود. كان الصمت قد جثم على المدينة المسترخية كناقة هزيلة بركت على الأرض تلفظ لعابها مستسلمة لنهايتها المحتومة. على بعدٍ من رأس المرفأ الذي أطبق عليه الوجوم، انتصب ضابط البحرية الملكية البريطانية الرئيس داود لنج على سدة المرفأ الخشبي المطحون كالعجين بفعل شدة تدفق الموج حتى أعلى حافته الصخرية، يحدق في مدينة صور البحرية الرمادية اللون ومن خلفه أحاط به عدداً من حاشيته بينهم كل الأجناس، منهم الانجليزي ذو البشرة الفاقعة البيضاء كالحليب والعماني بلون التمر السعودي كالذي تراكمت أكياسه البنية اللون من الخيش على رصيف المرفأ البالي، ينتظر من يشحنه، وهناك الزنجباري الأفريقي اللون وغيرهم ممن بدوا بمظهر الذين أصيبوا بالكساح لشدة هزالهم، فيما آخرون ممن التفوا حوله وتحلقوا كالذباب في المكان بدوا أشبه بالجبال لقاماتهم الباسقة كعجائز النخيل ذوات الأعمار المديدة. اكتظ المرفأ بالصخب ودوي العربات التي تقودها الحمير ويعلوها رجال حفاة يغلفهم الهزال وتكسوهم أسمال بالية، ينزف منهم العرق ويسيل على وجوههم حتى يكاد يغرق عيونهم ويطبق على وجوههم العابسة ويغطي لحاهم الملبدة بالزيت. علت أصواتهم المبهمة بلغاتهم المتباينة وهم ينقلون المؤن من السفن الراسية على بعد مسافات طويلة عبر المكان الهادئ إلى سطح الرصيف الحجري وبعضهم ما يكاد يفرغ العربات حتى يتعثر في الحفريات التي غزت الرصيف على إثر تشقق حجارته القديمة المتكلسة بسبب المياه والرطوبة وعفونة السوائل المختلفة المتدفقة من البراميل وصناديق المعدن بلونها الأصفر المتجعدة بعضها بفعل التكدس.

 على تلك الرابية الخشبية المطلة على واجهة البحر المستقيم على مدى البصر كبساطٍ أزرق اللون لا نهاية له، وقف بهيئة متيقظة كأيقونة من الرخام الصلب الرئيس داود لنج ضابط البحرية الملكية البريطانية، بدا شامخاً كالحاكم لولاية من ولايات الخليج السحيق والمترامي الأطراف، يتطلع للبعيد متصنعاً الحكمة والوقار بقامته الفارعة الطول ورقبته القصيرة وهي تتناقض مع هيكله المسلوق، بدا رأسه الكبير المزروع على جثته يترنح عندما يحدق بعينيه الواسعتين بلونهما الأزرق كلون البحر الذي يتأمله، فيما راحت نسمات الهواء الساخنة الخفيفة التي تهب بين فينة وأخرى من جهة الجنوب تدلل شعيرات رأسه البرونزية اللون المتبقية من الأطراف، بدت جبهته منبسطة ومرتفعة قليلاً عن مستوى حاجبيه العريضين، كان إذا تحرك في مكانه ببزته العسكرية الدالة على البحرية الملكية يبدو لوهلة كالقائد الفذ الذي يحاول أن يبسط سلطته على المكان، إلا حين يُصدم وهو يطرد الذباب عن وجهه، فيبدو كالفزع من هجوم مباغت، فتزول سمات الوقار المفتعلة عندها يشير بأصبعه الطويل الملتوي للأسفل بتوجيه أوامره لمرافقيه من جنود البحرية الملكية البريطانية الذين بدورهم يقذفون بتلك الأوامر في وجوه العمال والحمالون الذين لا يترددون في تنفيذها بسرعة من يريد إثبات الجدارة في التنفيذ أفضل من غيره، فيتسابقون في السرعة والحركة للبرهان على وفائهم في العمل، كانوا يقفزون ويمخرون الرصيف وعيونهم متطلعة نحو جنود البحرية الانجليز لمعرفة انطباعهم عن تفانيهم في الأداء. 

 

 

****

 

 

حدق داود لنج بمنظاره الطويل ذو الغلاف الأسود المعقوف من الأمام، تجاه السفينة الحربية القادمة من وراء الأفق للمرة التاسعة وهو يترقب دنوها من الساحل، أمله الوحيد أن يلتمس قبل غيره من الجنود والضباط  اسم السفينة التي لم يفتر باله حتى أدرك عنوانها (اوسبري)، وما أن تبين له اسمها أخيراً، غير مكانه وتبعه عدداً من جنود البحرية ثم أشار لأحدهم بالاقتراب منه، كان الجندي منتصباً بفخرٍ عند صخرة عملاقة سدت طريق الممر الخشبي، بدا نحيفاً في زيه العسكري الفضفاض الرث أكبر من حجمه الطبيعي، غارت عيناه الصغيرتين في رأسه المدور كالصحن، فيما لاحت يده اليمنى تفرك ما بين أسفل فخذيه وهو يهرول تجاه داود لنج، وحالما استقام أمامه، أسر لنج في إذنه اليمنى الصغيرة بضع كلماتٍ فجرى الآخر بكل طاقته نحو غرفة صغيرة أشبه بالكوخ مبنية من ألواح المعدن والخشب، برهة وعاد مسرعاً وخلفه مباشرة مشى بخطوات متأرجحة بطيئة أحد شيوخ صور يدعى الشيخ قيس بن خزعل اليمامي وقد ارتدى دشداشةً صفراء داكنة اللون، ذات عنق مستدير، يحيط بها شريطاً ازرقاً مخططاً بالأسود يختلف لونه عن لون الدشداشة وقد تدلت منها على الصدر وصلة الفراخة،  بدت الدشداشة الفاقعة الألوان واسعةً على الجثة التي بداخلها، وهي نحيفة برز منها بطناً منتفخاً تهدج عن الجسد حتى كاد يخرج من الدشداشة، ظهر البطن مدور وكاد يصعد للذقن، يفوق انتفاخ امرأةً حامل في شهرها الأخير. حين وصل الشيخ قيس بن خزعل اليمامي عند قدمي الرئيس لنج الذي كان مشغولاً بحمل منظاره وراح يحدق في السفينة التي اقتربت ولمحها تجر ورائها سفينة خشبية كهلة وفسيحة الأرداف. وقف الشيخ منتظراً الرئيس لنج يخفض منظاره بينما جمد على بعد منه الجندي الذي رافقه. حين طأطأ الرئيس المنظار للأسفل بدت عليه سمات النصر بصيده الثمين للسفينة الشراعية التي بدت كسلحفاة كسيحة ذات بنية قديمة ملطخة بالسواد ولاح شراعها الأبيض في الأصل وقد تحول إلى لون السخام.

نفض بيده عن طرف سترته الحربية من غير أن يكون ثمة شيئاً عالقاً بها، فقد اعتاد هذه الحركة كلما أراد أن يصدر أوامره السامية رغم علمه بأنها أوامر صادرة له من جهة أعلى منه لكنه أدمن على الإيحاء لمن حوله بأنها صادرة عنه، كانت هناك ذبابة في الجو تلاحقه وتمنعه من إصدار فرمانه المتوقع بمباشرة الوقوف على استعداد للتعامل الحربي مع البغلة الأسيرة التي اقتنصتها سفينة البحرية الملكية وأصبحت على مقربة من المرفأ، فاض به الغضب فجأةً على مواظبة الذبابة ملاحقته حتى بادر أحد الجنود الواقفين بقربه وكان قصيراً وبطيء الحركة ويحمل بيده صحيفة أوراقها متهرئة لقصف الحشرة اللئيمة في الهواء فما كان من الآخر إلا أن صفع الرئيس في وجهه، حينها علت صيحة في الجو أطلقها الرئيس لنج آمراً الجنود باقتحام السفينة الأسيرة متجاهلاً صفعة الجندي بالصحيفة رغم محاولة الآخر إبداء أسفه. 

كتلة بشرية محشورة بين الأخشاب وصفائح النحاس قوامها أعداداً من النساء والرجال محصورون داخل الباخرة الأسيرة جلهم سود البشرة، نحاف البنية، يحدقون حولهم بخوف تعريه عيونهم الزائغة، فيما نزعت عنهم ملابسهم الخارجية وظل بعضهم ملتصقاً بجدار الباخرة كأنه يخشى عورته، كانت النساء خجلات من رؤية جنود البحرية الملكية يقفون منبهرين أمامهم فيما راح جنود آخرون يجرون طاقم الباخرة للخارج، كان بعضهم مقيداً بالحبال وبرز بينهم ما يبدو عليه ربان السفينة يقاوم الجنود فيما راح آخر يسحب أحد البحارة للخارج فسقط على حافة اليابسة. كان الوجوم يخيم على وجوه الأسرى من الرق فيما سيطر الفزع على امرأة في العشرين من عمرها كانت منزوية في ركن من الباخرة محاولة ألا تخرج وجهها، برز أحد الرجال منكساً رأسه للأسفل كأنه يلعق الأرض بلسانه بينما توجه اثنان من الشبان نحو الجنود، تعالت أصوات بعض النساء يولولن وراح الرجال يتلفتون حولهم وكأنهم يفرون من عيون الجنود غير مدركين مصيرهم بعد أن وقعت السفينة في قبضة البحرية الملكية التي كانت الأوامر قد صدرت لها بالتصدي لتجار الرق بتنسيق مع سلطان عُمان. كانت السياسة البريطانية تقوم على ملاحقة هؤلاء التجار الذين دأبوا على اصطياد الرجال والنساء من بعض القرى النائية على أطراف الحدود بين اليمن وعدد من المدن الأفريقية ويتم الاتجار بهم في المنطقة حيث يوزعون على السعودية والبحرين وبقية الإمارات في المنطقة. تولت السفينة الملكية عملية أصياد البواخر المتاجرة بالرق وكانت مهمة الرئيس داود لنج الإشراف المباشر على هذه المهمة التي يتم من خلالها وقف صيد البشر أو التبادل بينهم أو مقايضتهم بالأرض وغيرها من المواد، كما يتم تبادلهم كهدايا بين تجار الرق بين المشيخات في المنطقة، بدت هذه المهمة في طابعها أنساني لكنها ظلت محدودة بسبب عدم جدية السلطات البريطانية في لندن على توسيع العملية لتشمل الرق بشكل عام، فقد اشتكى الرئيس داود لنج ذاته من تخاذل قيادة البحرية في تنفيذ أوامره تاركين المهمة للصدف، مركزين جهودهم على دعم سلطاتهم في المنطقة، كانت سفن القرصنة وتجار الرق تجول في مياه الخليج دون أن تواجهها البحرية الملكية إلا عندما يقوم هؤلاء باستفزاز البحرية أو عندما يهدد هؤلاء القراصنة الحكومات المحلية ويتم رفع الأمر مباشرة للمقيم السامي في الخليج بالتنسيق مع لندن.

وقف الرئيس في واجهة السفينة الأسيرة بعد أن سلمتها قيادة السفينة الحربية أسبري ثم ابتعدت في مياه صور، كانت سفينة الخفر التي اقتادت البغلة الأسيرة بعد أن فصلتها عن السفينة أسبرى على مسافة من المرفأ قد غادرت هي الأخرى وتركت المهمة للرئيس لنج الذي استدعى عدداً من رجال الشرطة المحلية الذين اصطفوا أمامه على الرصيف فيما راح يتطلع نحوهم بنظرة بدت لهم أقل أهمية من نظرته لجنوده الانجليز التابعين للبحرية الملكية، لاحت ملابس هؤلاء الشرطة الملحقين بدائرة سلطان عمان، مهلهلة ورثة وكأنها الأسمال الوحيدة التي  يكتسون طوال الوقت، ولشدة الفرق بينهم كانوا يقومون بتلبية طلبات الجنود الانكليز كأنهم عبيداً في خدمتهم وهذا ما أشعرهم بالدونية وقد حدث ذات مرة أن تمردوا على الأوامر فأطلقت عليهم النار.

حينما بدأ إجلاء الرق من السفينة الجلفة فاحت راحتهم واكتظ الساحل كله بالعفونة، كانت الحرارة الشديدة الوطأة في أوجها والعرق راح ينزف عن الأجساد والتصقت ملابسهم وبانت أجسام النساء كالعرايا مما اضطر الرئيس لنج وبعض الجنود لسد أنوفهم فيما كشر رجال الشرطة المحليون بوجوههم، كانت الرائحة تنبع من الملابس والأجساد وراحت بعضهن تغطين أجسادهن بقطع قماش بالية فقدت ألوانها الطبيعية، كان الرجال بلحى ووجوه خشنة رغم وسامتهم، فيما بدت النساء والفتيات أقل رائحة من الرجال وبدا على بعضهن النظافة وهذا ما يفسره البعض من قيام تجار الرقيق بفرز النساء والفتيات واغتصاب بعضهن والاحتفاظ  ببعض منهن كعشيقات. بدأ الجنود بفرز الرجال عن النساء فيما بادر جندي آخر بحصر أعداد الجميع وقد بلغوا سبعة وثلاثون فرداً، خرجوا جميعاً من السفينة إلى الرصيف الدبق، أصدر الرئيس داود لنج أمراً بحجز السفينة وتم اقتياد طاقمها تمهيداً لتسلميهم للسلطة المحلية التي عادة ما تقوم بالإفراج عنهم مقابل فدية مالية ليعودوا مرة أخرى للمغامرة.

 

 

****

القرنفل التبريزي

435

من رواية…

القرنفل التبريزي

تحت الإنجاز

ابتدأت التفكير بالقراءة قبل تعلمها، فمنذ أبصرت الحروف وأشكالها الغريبة لأول مرة، اعتقدت أنها من صُنْعِ شيطان رجيم، بدا لي مظهرها الشيطاني شعوذة، وطبيعة تشكيلها دجل، دأبت بشغفً وخوف على تأمل سحنتها، من انحناءات وتعرجات، دوائر ومستطيلات وزخرفات، فواصل ونقاط، وأشكال هندسية، بعضها فوضوية، كنت أراها وأتساءل عن مخترعها، كل تلك الرموز ظننتها طلاسم من عمل إبليس، إلى أن سقط بيدي كتاب القرآن، بأول وهلةٍ وعند تلمسي لمصحفٍ بينما كنت بأحد الكتاتيب، زاد ارتباكي بنسيج العبارات والفقرات المعقدة الشكل الواردة فيه، حتى أني حفظت بعض الآيات دون أن أفكّ حروفها، وحين بلغت السابعة وولجت لأول فصلٍ بالمدرسة، تفككت حلقات الغموض من رأسي وتحرر ذهني من اللغز، حين بدأنا نلفظ الحروف ونصيغ منها كلمات صغيرة، سطحية، لكنها في حينها كانت بمثابة اقتحام مغارة علي بابا والإفراج عن الكنز. بدأت شيئاً فشيئاً تسريح الجهل برأسي من عقدة الحروف، وأخضعت عصيان الحروف والكلمات لإرادتي، ورحت أُرَكْب منها كلمات سطحية، في حينها كانت ثورة في ظني، بمؤازرةٍ من مُعلمِ العربية بالفصل الأول الابتدائي، الذي رصد فضولي وشغفي بالحروف وتركيبها في كلماتٍ، فأغدق عَليّ من العناية ما زاد من غرامي باللغة التي أضحت بعد فترة وجيزةٍ من الوقت، حديقة زاهية بالعبارات، وإثر فصل بعد آخر، غَدَّت لغتي الأثيرة، فدأبت القدح من بحرها، أغرف من محيطها، وألتهم الحروف والكلمات والعبارات وكأنها سلةُ أطعمة شهية، حتى بلغت مرحلة الكتابة بالحروف والكلمات فأصبحت ساحرها.

لا إمام سوى العقل

تلك كانت البدايات العشوائية، انشق منها فيما بعد، عشقي للمتنبي وأبو العلاء وأبو نواس وقائمة الشعراء الذين شكلوا نوبات الجنون التي جعلتني أتسلق الأحلام بهم، وأعانق كوابيس الليل حتى أُدْرِكَ الوحدة والسكينة، فأعتزل العالم معهم وأبحر في ثغر الزمن السحيق، بحثاً عن شجونهم التي القت بيّ في نهاية المطاف، بمرفأ أبي العلاء المعري. خزف اللغة، وموسيقى الشعر، وبحور الأوزان، وكل تلك الرهانات على الماضي أوْدَت بيَ إلى الوقوف عند عتبة باب المعري والانسلاخ عن كل الشعراء والفلاسفة والانتظار بقرب مَعّرة النعمان بإدلب الشام التي قادتني لها صدفة عابرة، بطريق حلب، لِتُولّد كل الوقائع التالية التي لم يكن لها أن تقع لولا الذرائع.

الصوت ذاته يكابدني من جديد ويمتص بعضٌ من مرارة الوحدة، فألجأ إلى لعبةٍ قديمة أتقنت من خلالها الفرار من شعور الرتابة، وهي أن استلقي وأغمض عيني، والبعض لا يفهم لماذا الأعمى يَغْمضُ عيناهُ، ليشعر بالظلام، وينزلق في أحلام اليقظة التي أتخيل قصصاً اخترعتها لنفسي، حيث أُسافر وأقيم علاقات عابرة، تغرم بيّ النساء وأحصل على الجوائز، وأُلقي الخطب من فوق المنصات فيصفق لي الجميع، كانت تلك لعبتي بسن المراهقة، عدت أزاولها للإفلات من مشاعر السأم التي تنتابني كلما وجدت نفسي وحدي بالدار، وحتى عندما أجتمع مع تغاني أجدني وحيداً لأني لا أرى من وجهها ردة الفعل وهي معي، هل هناك أعقد من هذه المشاعر؟ أنها تقودني للجنون وهي تنزلق بي لوحشةٍ تلوح في دوراني داخل المنزل، من غرفة لأخرى، ومن صالة إلى حمام، أمضيتُ أجول بالساعات بين أروقة الدار، لا أشكو من شيءٍ سوى فراغٌ ووحدة وشكّ. ظَلّلتُ ليالٍ أبكي بلا دموع، أشعل شموعاً وأشمّ عطرها، فأرى برائحتها ما لا تراه عينايّ، فالشموع تَحلّ بدل العين، ليس هذا جنونٌ، بل تدبيرٌ صغته لأجل تَجًنُّب الجنون، هكذا يفكر الأعمى.

وأخيراً عندما حسمت الأمر وقررت الفرار إلى مَعّرة النعمان وردتني الأخبار صاعقةٌ، ذكرت بأن مدينة إدلب قد سقطت، وإن الدينيين والعلمانيين، والجنود والغزاة، دَمَرُها، وسفكوا بكارتها، أدْرَكتُ أن حروف اللغة التي اعتقدت أنها من صنع الشيطان وشعوذة إبليسَ، بطبيعة تشكيلها، هي دجل، وكنت شغفاً بها، بانحناءاتها وتعرجاتها، بدوائرها ومستطيلاتها مع زخارفها، فواصلها مع نقاطها، وكل أشكالها الهندسية الفوضوية، لم تكن سوى كابوس لما سيجري بعدها بمجرتي التي تلت حادثة الحريق، سأسرد اللغز من البداية قبل أن أحطم صنم الجاهلية الحديثة.

– وَيْحكَ أبي العلاء المعري، سجنتني معك…

“تَوَهَّمتُ خَيراً في الزَمانِ وَأَهلِهِ وَكانَ خَيالاً لا يَصِحُّ التَوَهُّمُ فَما النورُ نَوّارٌ وَلا الفَجرُ جَدوَلٌ وَلا الشَمسُ دينارٌ وَلا البَدرُ دِرِهمٌ”

 

The Power of Books

final-post

The Power Books

 by :Shorok 

Quoting the location of my daughter

To say that books can change your life is not a lie, the power of reading is epic, but actually learning from them is even more powerful, Some books made me cry and some made me laugh and some made me question my faith and self and absolutely all of them challenged my mind. I had read more than one book for each author in the list, but I listed the ones with the most impact on my life. For now I can say that these books have changed my life and transformed me into who I am today, I will read more in the future and I will post more lists in the future.

I will list each book with my own opinion about it, and what I took from it, without spoiling any of them, here is the list:

  • The Overcoat & the Nose By Nikolai Gogol: He is one of the greatest Russian authors who influenced the world of literature, and this book is going to play games with your mind, with a brilliant well executed fantasy and charming style.
  • Violet’s War By Ahmed Juma: This Epic novel that goes around the struggle among powers and how to create the difference in a world that lost it balance with so many twists and betrayals, this novel taught me the art of survival and how leadership is equal between men and women.
  • A Farewell To Arm By Ernest Hemingway: A meaning of a true love in a time of war and chaos, as a reader it made me compare between the world then and the world now, and how love used to be seen and how we lost all connections to it today.
  • Thus Spoke Zarathustra By Friedrich Nietzsche: I will not say more than what the world already knows about this book, it will make you question your faith, practices, and believe, it will be extremely challenging if you still didn’t open up to that part in you, too scared to ask and too afraid to even question religion and faith. This book will change who you are as a person.
  • The Dream By Emile Zola: A love story that faces a religious and social challenges, the same challenges are still present in the world we live in and how different background, social class, religion can come between two lovers.
  • Snow By Orhan Pamuk: In a world where religion interfere with the state and how it demolish people’s ethics and values just to gain power and rule the nation, and the danger that faces the person who dares to question that power or even challenge it, and how it tear down families and friends relationships.
  • Black Milk By Elif Shafak: her perception about motherhood and life as an author and a woman, and the challenges that a women get to face in conservative societies, while questioning marriage, love, motherhood, and going through her postpartum, it answered a lot of my own questions and helped me to see things from different views.
  • The Storm By Gibran Khalil Gibran: Love, Life, Morals, Religion, Politics, Fear of death, and Fear of living, a life changing book. I really can’t add more of words, it’s written by a genius, this book will give you chills.
  • A Confession of an Economic Hit Man By John Perkins: political, a clear insight on how politics really works, a whistle-blower who confesses a true life story of him manipulating and destroying countries throw the world bank by giving loans to developing countries and behind closed doors they use these loans to captivate the nations and destroy their infrastructures.
  • The Gambler By Fyodor Dostoevsky: the great Dostoevsky is trying to portrait a corrupted society and a greedy world full of double standards and ethics and how people turn into their worst nightmares when they are faced with challenges and temptations.
  • One Hundred Year Of Solitude By Gabriel Garcia Marquez: This one here is the book that made me fell in love with novels and reading , it’s about group of people who chose to abandon this world to create new realty in an I isolated land to create a life where it’s fulled with fiction and reality that get mixed together and the resemblances to our life and how stories and mysteries been told from generation to the next full of fiction just to continue living in fear of those stories so we can fear the change.
  • The Duel By Anton Chekhov: This novel has all the characters in life it feels like Chekhov wanted to represent every part of his mind in one novel, it’s a short one but it truly represent all kind of humans or maybe a reflection to the author’s characters , for example the bored one, the one that hates everything and everyone, the critic one etc. it’s so interesting that it will let you discover that we all have one or many of them in our life or within us.
  • Bad Feminist By Roxane Gay: A group of articles with an extreme explanation of what feminism is about and how it’s challenging to be a feminist in a world that for centuries showed women nothing but an emotional creature. it also touches the sensitive subjects such as violence, anger, race, and how women are portrayed in music, movies, and in daily life.
  • The Intimate Enemy By Guy Finley: it’s the book that changed my whole life, it talks about how people turn into their own enemies and how we destroy our own life by believing what we are told, by our past, and how to let go of fear, expectations and anger.
  • The Seat Of The Soul By Gary Zukav: A spiritual journey that opened my mind to a new wide open window called karma, intention and how living through fear, anger will even lead to more painful experiences, and how my intention is the key to everything i put out to the world, and to unlock the  multi-sensory human that I am.
  • To A God Unknown By John Steinbeck: it’s about a second chance at life that don’t go the way expected, it’s about family, frustration, dreams, and unexpected events that turns people’s life upside down, searching for God something to believe in, and through that journey it gets too hard and  too painful. A conflict starts when those members are searching for the truth and those who think they found God through their practices, and how the characters gets too dark and too confused during their search.
  • The Light We Cannot See By Anthony Doerr: Two different worlds, two different believes come together during World War II, and how some humans never lose their kind side and become saviors for those are called enemies and how humans kindness wins over evil thoughts and systems that changes two individuals future and present in a time it was all about white and black no in between, a novel that rocked my world upside down.
  • Fifty Shades Of Gray By E L James: Many different opinions about this trilogy some called it too poor and it has no meaning and so many sees it just as a romantic novel.   For me what I loved about this novel is the author herself breaking all the rules in the literature world, were women authors are not expected to write these types of novels.  E L James broke the mold with this book, not just with couple of lines but by publishing four books that talks about two young couple exploring their sex life with specific details.

رؤية معاكسة ضد تيار المقاطعة!

 

X002

ثقافة الأفيال الضالة؟

رؤية معاكسة ضد تيار المقاطعة!

احمد جمعة

الثقافة نبضٌ، وعيٌ،  جسر بين الشعوب، تلملم الجراح وتضيق الخلاف وتتسلل بين ثقوب الكراهية لتمحو بقدر المستطاع تلك النتوءات التي خلفتها موروثات قديمة بين الشعوب، تغذيها الأديان، استغرب بعد كل هذه القرون المديدة من الكراهية، وحتى بعد زوال الأنظمة الثيوقراطية والدكتاتورية من العالم، كالنازية والفاشية، أن تنامت اليوم مشاعر طارئة تحقنها سياسات منزوعة الإنسانية بمنهجية أيدولوجية،  ومنتهية الصلاحية، بهدفالإبقاء على صراعات الجماعات، طوائف وقوميات وشرائح، مستمرة لمصلحة ضيقة تتمثل بمحاولة السيطرة على عقول الشعوب وحملها على مزيد من كراهية بعضها البعض، هذا ما نراه اليوم بأشكال صارخة بين قوى يمينية متزمتة وبين قوى تنويرية تحاول نشر ثقافات التفاهم والسلام، وتبرز تلك الصورة صارخة بين العرب واليهود، تغذيها قيادات ثيوقراطية على رأس السلطة على الضفتين، وتكتوي بها أطراف إنسانية وتنويرية تحاول تضيق الهوة بين الثقافتين العربية واليهودية، ولو تحقق ذلك لزال الكثير من الاحتقان وذابت الكراهية وأمكن رؤية ثقب لبصيصٍ من ضوء يقود لنزع الكراهية من المنطقة التي عمها الصراع منذ قرون بسبب مشاعر الكراهية وأخطاء ارتكبها عمداً مرجوا السلفيات الدينية بمختلف أطيافها لبث الكراهية، والسيطرة على عقول القطيع!

من نافذة المواجهة الصريحة ومن رؤية موضوعية تنأى عن المجاملة والسير في قافلة المطبلين للمقاطعة العمياء التي تسود المنطقة منذ عقود وقائمة على تجنب الاقتراب من ثقافة الآخر، أرى أن قراءة عقلانية للمشهد الثقافي من جديد في المنطقة، كفيلة بفتح ثقب في جدار الخوف من ثقافة الآخر، وهو خوف غير مبرر ولا يستند على ثقة بالنفس، فمنذ سنوات الصراع السياسي والدموي مع الدولة العبرية، كان هناك بداخل المجتمع اليهودي في إسرائيل نزوع بل استقطاب للثقافة العربية، وبلغ القبول حد أن تجسد بوضوح صارخ، في شوارع رئيسية وميادين عامة هناك احتفاء بأسماءكنجيب محفوظوأم كلثوم وعبدالحليم حافظ واسمهان، كما تُعْرض الأفلام العربية وتذاع الأغاني العربية وتترجم الروايات والأشعار العربية، دون أن نلمس ذلك الخوف والهلع من تأثيرها على العقل اليهودي، بعكس الشعور في الجانب العربي الذي يخشى من ذكر مجرد عنوان رواية يهودية أو ترديد مقطع من أغنية أو بيت شعر، حتى أن مجرد ذكر عبارة لكاتب يهودي، علماً بأن مئات من المثقفين اليهود والأدباء والفنانين تعاطفوا مع الحقوق الفلسطينية أكثر من كثير من العرب دعاة المقاطعة، يشكل صدمة للوجود العربي برمته، يا للهول!! هل تلاشت ثقتنا بأنفسناوبحضارتنا وتاريخنا وموروثنا؟ ألا توجد قاعدة صلبة تحفظ هذا التراث؟ هل حضارتنا كلها ريشة في الهواء، مثل كذبة لم تقوَ على صد نسمة هواء؟ لا أنكر على الإطلاق وجود تيار يهودي متطرف وبداخله كراهية للعربي يفوق المتصور، وهذا يقابله بالتأكيد تيار عربي مماثل يلتقيان بالنهاية عند منعطف تتوحد فيه مصلحتهما ببقاءواستمرار وتعمق الكراهية، هذا لا يلغي أن الكراهية متبادلة، ولا يلغي أن إسرائيل اغتصبت أرض فلسطينية ولا يلغي حق العودة لسكان الأرض الأصليين، كل ذلك مؤكد وثابت، كل العالم مع الحق بما فيه حتى تلك السياسات المتعاطفة مع الدولة العبرية ترى حق إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

أعود لصلب الموضوع وهو الثقافة… الكراهية عبر العصور والحقب كانت تذوب عند مرافئ الثقافات، فالرواية والقصيدة واللوحة والموسيقى، إذا كانت حقاً ثقافة تنويرية وإنسانية وليست واجهة لخطاب الكراهية، من شانها إذابة الأحقاد بل وزرع بذور للسلام والتفاهم مع الآخر، وهذا يتعارض مع أي خطاب ثقافي ديني أو سياسي، أو اعلامي، كتلك التوجهات التي تحمل عناوين براقة ولكن بمحتواها تعمق الكراهية مثلما كان قبل سنوات حين انتشر مفهوم غير واقعي تحت يافطة “أدب المقاومة” ربما رمى منه البعض عن غير قصد تلميع أو تأريخ بعض الأحداث الدامية التي كانت بمثابة صراع مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، لكن ذلك العنوان كان عبارة عن ترويج للمواجهة الدائمة، كما أن نتاجه في الغالب خلى من الإبداع وغلب عليه الطابع التقريري، لكن ظل هناك نتاج حقيقي تمثل بأسماء حقيقية مبدعة كالشاعر سميح القاسم والروائي إبراهيم نصر الله والشاعر محمود درويش وهم أسماء متميزة بسماء الثقافة العربية. لكن ظل عنوان أدب المقاومة ظاهرة فقاعية بدليل اختفائها من الواجهة الثقافية منذ أمد بعيد، فهل من اللامعقول بخضم المتغيرات الكونية البقاء عند سفح الحياة الثقافية التقليدية ذات الطابع السياسي والتقريري، الموجهة من قبل تيارات وأحزاب وأيدولوجيات.

العالم عبارة عن ثقافة واحدة منصهرة في قوالب ثقافية عدة، تتبادل المعرفة الإنسانية، لا توجد كراهية لثقافة الآخر وإلا انتفت عنها صفة الثقافة، ومن سخرية تناقض التعايش الراهن للثقافة العالمية، أن هناك عناصر شاذة ببعض الشعوب تعادي ثقافة الآخر، بل وتصادرها وتنسج بينها جدار عازل بحجة ثقافة العدو، (غزو ثقافي) وهذا مضحك لأنه يعكس شعوبية قائمة بمشاعر كتاب وفنانين متوجسين من الآخر بتطرف يكاد يجعل من تفكيرهم أقرب للفاشية الثقافية!! وهي نوع من المنتج المدعوم بموروث قهري قائم على عقود من التفكير غير السوي ناتج عن أرث سياسي وديني يرى في الآخر عدو، لا أنكر أن هناك حروب وصراعات ودمار بين الأمم منذ الأزل، وهذا تاريخ مؤسس على صراع الحضارات وتناقضاتها، لكن عندما يبلغ الأمر مرفأ الثقافة، هنا تذوب السياسات والأديان ويتحرر المثقف والفنان والكاتب من عقد الصراع وتنبثق الثقافة موحدة للشعوب، فالأنظمة والحكومات تمثل مصالح الطبقات العليا المتسلطة، أما الثقافة فهي نتاج الشعوب وجديرة بالاحتكاك مع بعضها لإزالة الاحتقان لأجل التقارب الإنساني ولهذا استغرب من أولئك الذين يطعنون في ثقافات الآخرين ويبلغ الأمر بهم لتخوين كل من يتقارب وينصهر بثقافة غيره من جنس البشر، فهناك جدار سيمك عازل يجسد الخوف من الآخر، وهذا نابع من توارث الأفكار المسبقة التي ورثناها من أجيال سحيقة غرست فينا كره ثقافة الآخر بحجة أنها تمثل غزواً لعقولنا بهدف تدميرها وهي استهانة بعقل الإنسان عندما نشكك فيه ونلغيه ونخشى غزوه في الوقت الذي نرى فيه الآخر على الضفة الأخرى يستقبل ثقافتنا ويتفاعل معها بل ويتبناها، فلماذا الخوف فقط من جانبنا؟ هل نحن بهذا الهزال والضعف وعدم الثقة بجدارنا الناري!

كيف نخشى أغنية ورواية؟ ونسعى لكسب معركة قومية؟! كيف نصادر قصيدة عبرية وبعواصمنا سفارات للدولة العبرية؟ كيف نطلب من مواطن عربي في أقصى المحيط أو الخليج برفض التطبيع مع العدو وبذات الوقت نرى الحوار والتبادل بين السلطة الفلسطينية والقيادة الإسرائيلية؟ كيف نتظاهر ضد مؤتمر المنامة ونصفق ونتقبل بصدر رحب لقاء قابوس نتانياهو؟ كيف وكيف؟ أسئلة ليست محيرة أبداً بقدر ما هي سريالية بعالمٍ فقد الواقعية؟

الأدب بالذات يعتبر نافذة الشعوب، الرواية والمسرحية والقصيدة، جسور تواصل تزيل الاحتقان بين البشر شريطة أن تنحاز للإنسانية، تزيل عنها الكراهية وتنم عن انفتاح ذهني واسع لا يشتمل على أي أحقاد أو ايحاءات عنصرية أو عرقية أو طائفية، المبدع، لا خطوط حمراء ولا محرمات ولا عوازل تحد من نزعته الطبيعية الغريزية للحياة من خلال تقبله لكل الأفكار والأطياف، محيطه خالٍ من الدين والجنس والقومية واللون. من هذا المرفأ الإنساني ينعتق الأديب من جذوره التي تغذت خلال عقود سحيقة على الكراهية، سأتقبل الفكر والثقافة والفلسفة أيٍ كانت منشأها دون حساسية للموروث العصبي. سأقرأ رواية يهودية ولن أحس بتأنيب، لأن هناك بالضفة المقابلة من يقرأ روايتي، وكذا الأمر في المسرح والسينما والموسيقى والغناء، وأي نتاج يحمل بمضمونه انحياز سياسي أو عنصري فهو خارج سياج الثقافة وينخرط في سلة الكراهية ولا ينتمي للحضارة الإنسانية المبنية على ثقافات الشعوب.

لا أفهم ولا أريد، أن أفهم دعوة المقاطعة التي يرفها بعض المثقفين والأدباء العرب بوجه الثقافات الأخرى، كما لا أستوعب رفع يافطة “الغزو الثقافي” وهو مصطلح غبي يدل على ضيق أفق من يروجه، هناك ثقافة إنسانية وهناك كراهية ثقافية، ومن السهل التمييز بين الإثنين. فكل ما يحمل كراهية للآخر لا يمت للثقافة، هكذا الأمر واضح لا يحتاج لمقاطعة، فأي رواية إسرائيلية تنم عن نفحة كراهية للعرب فهي خارج دائرة القراءة ولا تمت للأدب ولَسْتُ معنياً بها، وبالمقابل أي رواية عربية تنم عن كراهية لليهود، فهي أيضاً خارج حلبة الثقافة ومحكوم عليها بالموت، كالأولى، يبقى في النهاية هناك أدب أو كراهية أي كان مصدر ذلك المستنقع من الكراهية؟

العالم، تجاوز عتبات الخوف ونحن ما زلنا أسرى الخوف وكأننا ريشة في مهب الهواء، إلى متى الخوف من الآخر وكأننا منزل قائم في الهواء بلا أعمدة تحميه؟

6a9fa65cfcec424b400c0370f9b4c801

 

‏جوخة الحارثي نجمة عالمية بسماء الرواية

جوخة الحارثي صورةسيدات القمر

أزمة المثقف العربي تكشف المستور…

احمد جمعة

‏جوخة الحارثي نجمة عالمية بسماء الرواية

“سُئلت عمن سيقود الجنس البشري؟ فأجبت: الذين يعرفون كيف يقرؤون فولتير، وليعذرني القارئ الرصين مع الاعتذار لفولتير، باستعاضة كلمة يقرؤون، بكلمة يكتبون، هم من سيقود الجنس البشري، وفي هذا إهداء من الصميم إلى المبدعة العمانية جوخة الحارثي التي حفرت أسمها بماء من ذهب بقائمة الروائيين العالميين، رغم كل الحملة الشرسة، الحاقدة، التي رافقت فوزها والذي تستحقه بجدارة لا تضاهى، وما أحزنني وفتح جرحاً بليغاً هو تلك الحفنة من كتاب ونقاد وصحفيين عرب، ما أن أُعلن عن فوزها حتى تسابقت الأقلام السامة، والنفوس المريضة لتبطش باسم هذا المبدعة الشابة التي تحدت صمت وعزلة وخرافة الأسماء الكبيرة في عالم الرواية العربية التي لم تحقق ما حققته هذا النجمة الصاعدة بكفاءة إبداعية أهلتها للقفز على كل المتوقع والمألوف، وتحقيق إنجاز غير مسبوق بمستوى العالم العربي بمنافستها لأسماء عالمية، والفوز بالجائزة العالمية/ مان بوكر الدولية، وهذا ما أثار سخط كثير من الكتاب العرب، خاصة أولئك الذين يعتبرون أنفسهم الأسماء اللامعة الوحيدة المحتكرة للجوائز، والتي يحق لها وحدها الفوز، فصبوا سخطهم الممزوج بالحقد والكراهية لكل ما هو خليجي، فربطوا قسراً وبهتاناً بين فوزها ودولارات النفط الخليجي، وهي نغمة بالية، أكل عليها الدهر وشرب وشبع وتجشأ كذلك! ولم يجدوا ابسط عبارات لنعتها سوى أنها محجبة، وأنها من دولة خليجية، وظهر كل ما بنفوسهم من مرض تستغرب أن يكون كل هذا الكم بداخل أدباء وكتاب وصحفيين لهم أسمائهم ومكانتهم، وللأسف، انجلى هذا الحقد المتخفي وراء أسمائهم ليظهر حسدهم وغيرتهم من روائية مبدعة جديرة بالفوز، لقد كشف هذا الحسد، مشاعرهم المريضة التي تعكس فضيحة العصر الثقافي العربي الموبوء، والذي جعل هؤلاء يعتقدون أنهم أحق بالجائزة، رغم ما نالوا من رعاية طوال حياتهم من قبل مؤسسات عربية ارتبطوا خلالها بعلاقات من وراء الكواليس واحتكروا الجوائز والترشيحات وكأنها حكراً عليهم، فجاء فوز جوخة الحارثي الصادم، ليكشف ويعري مكنونهم من الحسد الذي طالما تخفوا ورائه، معتقدين أن الجوائز العربية لهم وحدهم، بصفتهم الأسماء الشامخة بسماء الرواية، وللأسف سايرتهم بذلك مؤسسات عربية وبعضها خليجية، فيما يشبه الاحتكار لهذه الأسماء، باعتبارها محجوزة وحدها للجوائز ولا يحق لأي مبدع أو مبدعة خارج سرب هذه القوائم الجاهزة التجرؤ واقتحام أسوار هذه المؤسسات التي وضعت سياجاً بينها وبين الكتاب الآخرين.

كانت الفضيحة الصارخة الدامية، هي فوز الرواية جوخة الحارثي بأكبر جائزة عالمية للرواية، وهي التي لم تفز بأي من الجوائز العربية، بل ولم تصل حتى  للقوائم الطويلة فيها، وهذا ما عكس الصدمة بالواقع العربي الثقافي وفجر موجة الحسد والسخط عليها وكأنها جريمة أن تفوز بجدارة بجائزة البوكر العالمية، لأنه برأي واعتقاد هؤلاء الكتاب المرضى الذين لم يتوانوا من تشويه فوزها وصب سخطهم عليها بكومة غضب وغيرة، لا تستحق الفوز، لقد كشفت عن نفوسهم الغريبة التي لا تنسجم مع المشاعر الإنسانية والحضارية التي عادة ما تميز المبدعين في العالم، لقد انكشف المستور وظهرت بواطن الأمور المستورة وراء كواليس العلاقات الخاصة والسرية التي تربط بين هؤلاء الكتاب والمؤسسات الثقافية العربية، حينما لم يتخيلوا مبدعة عمانية خليجية تحقق هذا المنجز العالمي، الذي باعتقادهم  هو حق محتكر لهم، وما آلمهم باعتقادي هو عدم تحملهم أن تكون الجائزة من نصيب عمانية خليجية، وقد ظهر ذلك جلياً بتهمة دولارات النفط الخليجي، والمؤلم أن تسايرهم أقلام وصحف خليجية، تروج لهذا السخف، والهراءات. لقد فازت جوخة الحارثي بالجائزة، وهي أول عربية تحقق ذلك، وحان أن يكف هؤلاء عن النباح، وغلق مأتم البكاء، لأن الفائزة تستحق ذلك عن جدارة، وهي تشرف العرب والخليجيين والعالم الجميل الذي تنتمي له الرواية.

لقد كشف فوز الحارثي كثير من مظاهر الفساد بحالة الثقافة العربية، وعرى كثير من مشاهد مخفية لسنوات تمثل الاستئثار بالجوائز العربية لقائمة من الأسماء المحددة التي تتوالى على هذه الجوائز ولا يمكن أن يخترقها أي مبدع خارج دائرة المقرر لهم الاستئثار بها، وحين جاءت الحارثي التي لم تفز بالجوائز العربية ولا حتى بقوائمها الطويلة والقصيرة وتحصد المان بوكر الدولية، ساد الوجوم هؤلاء وبرز الحسد والغيرة، وحقيقة أنا شخصياً سعيد مرتين، الأولى بفوز المبدعة العمانية جوخة، والثانية، تعري هؤلاء وانكشاف حقيقتهم الحاقدة، بالإضافة لدور المؤسسات العربية، التي احتكرت بضعة أسماء اكتفت بتدوير الجوائز بينهم، فها هي الحارثي، تقفز على الجوائز العربية، لتأتي بالدولية، هذه هي صورة فساد الحياة الثقافية العربية التي تشمل كتاب ونقاد وصحفيين، ومؤسسات رسمية وخاصة ومؤتمرات وقعت بآفة الفساد المستشري بالجسد العربي الذي خضع للتبادل الشللي، لقد امتد هذا الفساد واستشري بالحياة الثقافية بغالبية الساحات العربية التي رزحت بأشنع مظاهره.

ما يبكي ألماً أن تقرأ لكتاب عرب، حروفاً تقطر حقداً على مبدعة عربية، كان يفترض أن يسعدوا لها بمجرد فوزها لأنها تنتمي للجسد العربي، ولكن للأسف لم يحدث ذلك، فبينما العالم والصحافة الدولية تستقبل فوز الروائية جوخة بسعادة وانبهار، رأينا جرائد وصحف وكتاب ونقاد، عرب يصبون غضبهم عليها، بكتابات تقطر، حسد وغيرة، وهذا يفضح  ما يجري داخل أروقة الثقافات السرية التي اقتصرت دوائرها على أعداد محدودة من الكتاب الذين تولوا شأن الثقافة والأدب بالمؤسسات الثقافية الأدبية؟ ثمة فقاعات تبرز بين حين وآخر يتم تغطيتها بسرعة هائلة وثمة مظاهر للفساد بداخل المؤسسات الأدبية، ولكن لندع ذلك كله ورائنا ولنحتفل بفوز جوخة الحارثي بفوزها الجميل الذي شرف العرب والخليجيين والعالم، وهي بحق مبدعة استحقت الجائزة عن جدارة فتحية اعتزاز بها ولمستقبلها المشرق بعالم الرواية…