من رواية [يسرا البريطانية] “باخ” يسكب موسيقاه

من رواية [يسرا البريطانية]

“كانت ليلة السادس عشر من يناير تلك ليلة ساحرة، بل ليلة نورانية” بتلك العبارة روت نجوى لأهلها في الكويت فيما بعد عن قصف الزبير، كان العام 1991 منعطف ولدت فيه أسرة جبار مرة أخرى، وبدأت منه رحلة طويلة قاسية مع محنة التشرد تدريجياً، فمنذ تلك الليلة لم يعد الزوج أو الأب جبار الشريف للزبير اختفى بلا علم، كان يوم انتهاء المهلة النهائية التي منحها العالم للعراق للانسحاب من الكويت يوم غائم وشديد البرودة وقاسياً على الأسرة التي تمزقت بين أم كويتية تريد تحرير أرض أهلها، وبين ولائها لزوج يقاتل ضد إرادتها، كانت ترى في الحرب اختباراً لعواطفها وهي ترى بأم عينيها طائرات قوات التحالف الدولي تشن حملة جوية مكثفة وواسعة النطاق شملت أرض الزبير كلها “هكذا رأيت يومها صورة الحرب لأول مرة” بعكس والدتها التي رأت في تلك الطائرات أمل بعودة أهلها لديارهم، كانت الأحاسيس ممزقة حتى النخاع، الطفلة ترى الحرب في الزبير والأم ترى الحرب في الكويت، والأب يرى الحرب الثانية بعد إيران على أنها حرب الكرامة، كل رأى الحرب من زاويته الواسعة أو الضيقة، سيان ما دامت الحرب حرب، يسرا رأتها ألوان تظلل المكان من الشمال إلى الجنوب” طمست مشاعري الجياشة في البداية كنت غير مكترثة” ثم سرعان ما طفت مشاعر الخوف، ظلت تنتظر فراس يأتي من الجبهة لتحضنه وتقفل عليه باب الدار حتى لا يخرج ولا يعود كما حدث لوالدها.
كانت طائرات العالم تقوم بمعدل 2،555 غارة يومياً. أُستُخدم خلالها 60،624 طن من القنابل، وكان لإعلان الإذاعة العرقية أن “أم المعارك قد بدأت”، من حينها انتهت حياة الأسرة الجبارية، كان الموت يمشي على أقدامه يبذر الفجيعة أينما يرى بشر على الأرض، في هذا المناخ الأسود تسللت الرومانسية وعالم الخيال الواسع من عقل الطفلة وزرع مكانها امرأة مذعورة على أسرتها تخشى الضياع.
كانت القنابل الذكية والقنابل العنقودية وصواريخ كروز، تبدو وسط سماء ليل الزبير وكأنها ألعاب نارية للطفلة التي فهمت أن وراء ذلك موت الكثيرين وقد يكون من بينهم والدها ولكنها لم تعلم بما سيجري خلال السنوات العشرون القادمة.

images ةة0

مقطع من رواية ( يسرا البريطانية)

مقطع من رواية ( يسرا البريطانية)

“لماذا يختفي كل الذين أعرفهم؟”
“لماذا يهرب كل الذين أحبهم؟”
كنت يسرا الهاربة من الزبير، وأصبحت يسرا القرمزي ثم تحولت ليسرا البريطانية لينتهي بي المطاف ليسرا الإرهابية.
لماذا لم أعدم عندما حانت ساعة الإعدام؟
لعل ملاكي الصغير كان يحرسني من مكان ما في هذا الكون المجنون بالقتل.
لا أذكر كل ما مررت فيه، ولكن بعضه فقط، فقد عُطبت الذاكرة لشدة الأهوال، وما سيحكى عني هنا بلسان “أحدهم” هو فحسب جزء من الرواية ولا أستبعد أن يجري التصرف ببعض الوقائع، لكن ما سيروى هو أقل بكثير مما جرى، سوى ما لم يحكِ لأسباب شخصية أو أمنية أو استخباراتية، هل كان حلماً أم كابوساً أم مجرد حياة امرأة وقعت في الفخ؟ لقد جرت الأحداث في البداية صدفة ولكنها سارت بعد ذلك بتخطيط دقيق متعمد، وكنت أنا الضحية التي وقعت في الفخ”

يسرا القرمزي
****

cover 0011

من السيفونية الخامسة بتهوفن .. ترجيح ثورة الذات وهي تعبر حقول الظلام مجتازة الكهوف نحو الصعود للمنحدر الرمادي

يسرا البريطانية عبimages ةة0رت الحقول تلك على انغام السيفونية الخامسة لبتهوفن

[ قمر باريسي ] رواية أحمد جمعة
تقع في 350 صفحة صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر قمر باريسي 003
الطبعة الأولى 2009
مقطع من الرواية:
بحر أخضر،كالحلم ينزلق من تحت السطح في انحسار ثم جزر ومد،بارد وساخن ، من الأسفل وإلى السطح رونقا ينساب مع صفصاف مساءَ شهر مشوب بغبار مقدمة الشتاء، حين التبس على أهل الحي مصدر المولود المجهول الملقى بكارتونة حليب كبيرة، بجانب كارتونة معجون طماطم فارغة، وقد دثر بقماش أبيض هندي خفيف رغم برودة الطقس في هذا الوقت من السنة باقتراب نهاية شهر نوفمبر وهو الزمن الذي يقتحم فيه البرد خلسة قبل أن يعلن الشتاء الحقيقي هجمته الموحشة , فكانت كتلة اللحم الطرية ملفوفة بهذا القماش الصيفي وبحضنه قطعة تعويذة دينية مكسوة بجلد حيواني مهترء ، لكنه بدا كرسالة روحية تنبئ عن رغبة مكبوتة تبعد الشر عن المولود.
تداول أهل ضاحية حي الحالة الجنوبية المحاذية لأطراف السوق رواية الصبي المرمي والذي التقطته نعوم بعد أن لمت المشاة من سكان الحي بصراخها وتكبيرها بالله وأكبر.
سادت الشائعات فيما بعد ردحًا من الوقت بين مصدق ومكذب ، بين من نسب المولود للحي وبين من نسبه إلى أبعد من البلاد مدللاً بملامحه وبشرته البيضاء كاللبن، وسار البعض في أرجاء الحي متفحصًا وجوه فتياتها وشبانها خاصة أولئك، المهمشين من المتسكعين ومن تلك اللواتي راجت الشائعات حول سمعتهن وهن كثيرات بعد أن انتشرت المعاكسات وراجت رسائل الحب الركيكة وازدهرت الخرائب من البيوت الآيلة للسقوط والمهجورة التي يتخفى فيها المولعون بالأكتشافات الجسدية، مما أوقع الكثير من سكان الحي في حيرة من قصص وروايات خرافية عن الجن والأشباح التي تظهر هنا وهناك وتتفاقم في الليالي التي يغيب فيها القمر أو تقع فيها حوادث الحرائق والسرقات حيث يلهى السكان بالأخبار، فتزدهر المغامرات .
تتفاقم الهمسات لتصبح شائعات ثم تتحول على الألسنة المهوسة بالفضول إلى وقائع تلوكها الألسن، وتخرج القصص محبكة كالحقائق .. هكذا هو الحال في المنطقة الممتدة من منزل الشيخ سيار الذي تركه خلف الفرض لنعوم وهجره الجميع، ما عدا سائق هندي يطوف بها يوميًا بتوجيه من محفوظة المقعدة على فراش المرض منذ سنوات وكانت تختفي وتشرق من نوباتها من فقدان الوعي فتسأل عن نعوم وأحوالها ثم تهذي ببعض القصص عن الشيخين وهي غائبة عن الوعي، يمتد هذا الطريق إلى الساحل المحاذي لمنزلي عائشة وشريفة ، مرورًا بالمنعطف الذي يقع فيه منزل زمزم التي غطت الحي شائعات تتناوب نسب اللقيط إلى كل من لديه هوى يتماشى مع إلصاق الكتلة البشرية، بما يغذي حاجة النفوس للفضول المتنامي في المكان، خاصة وأن الكثير من سكان الحي يهيمون في الأزقة بحثاً عن نسب ما أو فضيحة طائشة تلهي بعضهم في حالة من ضياع منبوذ، تتقاذفه حالة البطالة التي اكتسحت الحي بعد أن انتشرت زجاجات الخمر المهربة والمسروقة والمتاجرة بها من هنا وهناك، مما أعاث في الحي عنفواناً بين أولئك الذين غاصوا في وحل مستنقع اصطياد المومسات والهاربات من أزواج غرقوا بدورهم وراء نساء شبقات أو محتاجات مما بالجميع إلى الهيام في بحر الشائعات.
في هذا المناخ الذي ساده الشك، والريبة وتبادل النظرات التي تكاد تسرق من الآخر روحه الحقيقية وتنزل به فزاعة تطارد خيالاته المنبوذة، سرق العقل من الناس وهم يتحلقون في الملاهي والطرقات والزوايا ويرشفون كؤوس الشاي والخمر وينسبون المولود المعثور عليه إلى شتى الأرجاء، إلى الحد الذي دخل فيه بعضهم الشك، في أن يكون من دمه بعد أن راح يدقق ويحث ويقلب في الصور التي تبعد عنه هذا الشك ، فما كان من بعضهم إلا أن اقترح أن يذهب به إلى دار الشيخ سيار بعد أن تستكمل الشرطة تحقيقاتها وبعد أن تبرع أكثر من شخص في الحي إلى أنه لا يجوز أن يبعد هذا المولود عن المكان الذي عثرعليه، كأن بالجميع يوشكوا أن ينسبوا المولود إليهم خشية أن يكون واحدًا منهم ويفرط من المكان، فكان هوس كل من بالحي بتبني المولود دون أن يطفح هذا الشعور على السطح.
مع اشتداد رياح المساء الشمالية وتصاعد كتلة السحاب السوداء المنذرة بموجة برد من أعلى مسافة من الحي انبعث صوت تلاوة من القرآن تذكر بالصوت الذي كان ينبثق هادرًا في مثل هذه الأمسيات الباردة من نزل الشيخ سيار البحري.
كانت التلاوة تذكر بالأيام الخوالي التي صدح فيها الصوت من هذا المنزل ، حيث كان الشيخ خلف يترك مسجله يتلوا الآيات بعكس الشيخ سيار الذي كان يرتل القرآن بصوته، إلا أن ظهور المسجل الإلكتروني في حقبة الشيخ خلف وفر عليه تلاوة القرآن بصوته، واستمر هذا التقليد إلى الوقت الذي نعمت فيه نعوم بالوحدة والعزلة، فيما شائعات كالسيل تنهمر من حولها بلغت حدًا أشاعت في الحي هواجس عن وجود كائنات جنية تنبعث في شكل أصوات وأشباح ليلية تتسلل من ثغرات المنزل ومن البحرالذي لم يعد أحدًا يدرك لماذا توقفت البلدية عن مواصلة غمر البحر ومحيط المكان بالرمال، مما زاد من مخاوف الأهالي عن وجود قوى تطرد كل من يتجاسر على الاقتراب من المنزل وساكنيه من الأشباح.
ذاب شعورها سافكًا ما حولها من تلك الذكريات العبقة بروائح الثغور ومخلفات وبقايا الشيخين وأوراقهما الصفراء، وهي تقضي الساعات من يومها الطويل، التنقيب بين دهاليز هذه القراطيس في محاولات لفك الخط ، وهو أمر يصعب عليها تحقيقه مع انعدام فرص فك الخط ، إلا أن بعض المبادئ التي تولى الشيخ خلف في أيامه الأخيرة تلقينها قد ساعدها على توسيع فضول القراءة لديها وهو ما دفعها بعد رحيله إلى التسلي بما عثرت عليه من أسرار ورقية وطقوس مكتوبة أدى بها إلى الربط بين ما كان يقوم به في البداية الشيخ سيار ثم لحق به الشيخ خلف، فتكون هذا الإرث عبر لسعات الوحدة وكآبة الشتاء، فساعد هذا الفضول على اختصار ساعات النهار واختزال وحدة الليل وإشاعة روح الانصهار مع كل موروثات الشيخين من أعشاب وأوراق وطلاسم وأشكال تتوزع بين مختلف الأسرار وكانت الأوقات المتدلية من عنق الفراغ تجتذب فضول متناه يسبر أرجاء المنزل المكتظ بنثريات وبقايا الأموات الذين تركوا الأرض تلتهم رائحتهم ولا تفارق أنفها فلا تكاد تبتعد هذه الروائح عنها لومضات حتى تعاودها من مسافات بعيدة غائرة في ألزمن الذي عاش فيه الشيخان، تتداعى الذكريات وتتنفس من كل مكان في المنزل.
تدلت نعوم من محيط غائر تسكنه أرواح تكن لها جبالاً وسماوات ومحيطات من البهجة المغمورة بالطمأنينة، يعبق سماءها بالسجاد الفارسي الذي يغطي غرف المنزل منذ أن فرشته محفوظة بالأيام الخوالي عندما كانت في ريعان شبابها تتردد على الشيخ سيار, ومحيط يكتظ بالدواليب والكنبات العجمية المتهرئة أطرافها، منذ أن فقدت محفوظة صحتها وعجزت عن المجيء إلى المنزل لتتأمل كعادتها المكان وتعوض المتهرئ والتالف، فاستنجدت نعوم بخبراتها العشوائية للحفاظ على ما تبقى من الأثاث، واستعانت بما لديها من أدوات الشيخين الراحلين في تدبر أمور الروائح وتعطير المنزل كلما نفذت ريح الشمال الشتوية نكهات البحر والسمك وبقايا مخلفات الساحل الذي أهمل عمال البلدية الاقتراب من المكان الا فيما ندر لاجتثاث النفايات التي يلقي بها سكان المنطقة أو تجرفها أمواج البحر لتلقي بها على حافة المنزل وبمحاذاة النافذة التي تطل عليها غرفتها، فلا تملك إلا أن توقد النار وتحمي الفحم وتبخر المنزل فكان ذلك من جهة أخرى يسبب عطسًا متواليًا للطفل الذي التقطته وراحت ترضعه إلى أن جاءتها ذات صباح ثلة من نساء الحي وسيدة ادعت أنها من دائرة الصحة والمواليد للتحقيق في صحة رواية المولود.
– ماذا كنت تفعلين عند الساحل في هذا الوقت؟
سألتها إحدى النساء وكانت تمعن في أرجاء المكان بنظراتها الفضولية.
– أسميته مبارك.
وكأنها أرادت أن تهرب من نظرات المرأة بالتوجه الى هذا الجواب وأردفت للتو..
– كان باردًا وعاريًا وكأن من أنجبته أرادت موته وأسمته مبارك لأنها كانت الليلة الأخيرة من رمضان، فكان مباركًا بمجيئه ليلة العيد.
صمتن النساء وتطلعن إلى نعوم التي قفزت بغتة لدى انطلاق بكاء مبارك.