من حمالاً بالميناء إلى نجماً في الرواية العربية

_103111574_358057d1-a4fc-4d21-ae78-95c521dffba0

 رحيل الروائي العربي حينا مينه 

من حمالاً بالميناء إلى نجماً في الرواية العربية

على الرغم من أنه أوصى بعدم نشر خبر وفاته، في أي وسيلة إعلامية كانت، إلا أن وسائل الإعلام لم يكن بمقدورها التقيد، تحديدا، بهذا الشق من الوصية، فسارعت إلى نشر خبر وفاته، ومنها وكالة “سانا” السورية الرسمية، وغيرها من وسائل إعلامية.

ولد الروائي حنا مينه، عام 1924 في محافظة اللاذقية المتوسطية، وكان “منذوراً” للشقاء، منذ أبصرت عيناه النور، حسب وصيته التي كتبها بخط يده، بتاريخ 17 آب/أغسطس عام 2008، ونشرتها وسائل إعلام مختلفة، وأثارت ردود أفعال واسعة، في ذلك الوقت.

وعاش مينه، طفولته الأولى، ما بين لواء اسكندرون الخاضع للسلطة التركية، حالياً، ومدينة اللاذقية، وعرف الشقاء الذي تحدث عنه في وصيته، منذ حصوله على شهادة التعليم الابتدائي عام 1936. ثم اضطر للتوقف عن متابعة دراسته، والانخراط بالعمل، في هذه السن المبكرة التي بدأ فيها يتنقل باحثاً عن أي عمل، حتى لو كان “أجيراً” هنا، أو هناك.

واضطر مينه، لترك لواء اسكندرون، بعدما أعلنت سيطرة تركيا عليه، عام 1938، فهرب عائداً إلى اللاذقية مع بقية أفراد أسرته. فعمل حمّالاً، في مرفأ اللاذقية، وكانت بداياته الأولى هناك، في العمل الحزبي المتمثل بالسعي لتأسيس نقابة لعمال المرفأ، وكان يقوم بتوزيع صحيفة “صوت الشعب” اليسارية، في الشوارع، على الناس، فتعرض لاعتداء من قبل بعض إقطاعيي المنطقة الذين يرون نشاطه اليساري يوقع الضرر بوضعيتهم الاجتماعية، فأصيب بعد طعنه بخنجر إلى درجة ظنوا فيها أنه فارق الحياة.

نصير البؤساء والمعذبين في الأرض

ومن عمله حمالاً في مرفأ اللاذقية، ثم موزع صحف في الشوارع، إلى العمل بمهنة الحلاقة، وأكسبته هذا المهنة تواصلا أدبياً مع الناس، فكان يساعد بكتابة الرسائل لهم وبعض المخاطبات الخاصة بأمور حكومية وظيفية. ثم عمل بحاراً على المراكب، وكانت تلك مهنته الأشهر والتي قدّمت له جميع ما يتعلق بعالم البحار التي كانت مصدر عوالمه الروائية.

بعد عمله في عالم البحار، انتقل مينه إلى بيروت نهاية أربعينيات القرن الماضي، ثم عاد منها إلى دمشق، وعمل في الصحافة، وبدأت رواياته بالظهور، وأغلبها مرتبط بالمعاناة والنضال والمواجهة والكفاح، ولهذا كان يعتبر نفسه كاتب “الكفاح والفرح” خاصة وأنه من الذين قارعوا الاحتلال الفرنسي، مباشرة.

وجسّد مينه في رواياته التي استلهمت من عالم البحار، فكرة الكفاح لتحقيق العدالة الاجتماعية، عبر شخوص بمختلف الوضعيات الاجتماعية، فعبّر عن ألمه الخاص، من خلال “الألم العام” الذي يتنقل في غالبية أعماله الروائية، تعبيرا منه عن قيمة الصراع الاجتماعي في خلق نماذج إنسانية تنال نصيبها من العدالة، بعد كفاح طويل ومعقد ومتعدد الجوانب. ولذلك طالب كثيراً بأن يكون الأدب “من لحم ودم” من خلال شخوص “يعيشون بيننا” حسب تصريحات حوارية متعددة أدلى بها في أوقات سابقة.

ويعبر مينه عن نفسه بوضوح، مؤكداً أنه ينتمي للمدرسة الواقعية الاشتراكية، مشيراً إلى فارق ضروري، بين واقعية الواقع وواقعية الأدب والإبداع، فلذلك كان يدعو لعدم إقحام السياسة، في النص الإبداعي، إلا إذا كانت مستلهمة من تجربة الكاتب الذاتية ومعاناته المباشرة في الحياة.

من أشهر روايات الأديب الراحل، رواية (المصابيح الزرق) التي صدرت عام 1954، ورواية (الياطر) عام 1975، ورواية (الشراع والعاصفة) عام 1966، و(حكاية بحار) عام 1981.

وصدر له قرابة خمسين كتاباً جلّها في الأدب الروائي وبعضها بالاشتراك أو خصص لمقالاته ودراساته. منها رواية (الأرقش والغجرية) و(البحر والسفينة) و(عروس الموجة السوداء) و(نهاية رجل شجاع) التي أنتجت مسلسلاً حصد شهرة كبيرة في تسعينيات القرن الماضي. ورواية (المرفأ البعيد) و(المرصد) و(بقايا صور) و(الشمس في يوم غائم).

عندما ألفظ النفس الأخير: لا تذيعوا خبر موتي!

وكتب وصيته منذ 10 سنوات، بخط يده، طالب فيها بعدم نشر خبر وفاته عند حصولها: “عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدّد على هذه الكلمة، ألا يذاع خبر موتي، في أية وسيلة إعلامية، فقد كنت بسيطاً في حياتي، وأرغب أن أكون بسيطا في مماتي“.

ولد الروائي حنا مينة في مدينة اللاذقية عام 1924، وهو أديب الحقيقة والصدق، عصامي ساهم في إغناء الرواية العربية وعمل باجتهاد حتى أجاد وأبدع.

أما عن بدايته الأدبية فقد كانت متواضعة، تدرج فيها في كتابة العرائض للحكومة ثم في كتابة المقالات والأخبار الصغيرة للصحف في سوريا ولبنان ثم تطور إلى كتابة المقالات الكبيرة والقصص القصيرة.

حنا مينة ورابطة الكتاب السوريين

ساهم حنا مينة مع لفيف من الكتاب اليساريين في سوريا عام 1951 بتأسيس رابطة الكتاب السوريين، عندما نظمت الرابطة عام 1954 المؤتمر الأول للكتاب العرب بمشاركة عدد من الكتاب الوطنين والديمقراطيين في سوريا والبلاد العربية، وكان له دور كبير في التواصل مع الكتاب العرب في كل أنحاء الوطن العربي

 

أبو نواس يرقص الديسكو – عن حال الأمة!

أبو نواس يرقص الديسكو مسرحية صدرت العام 1982 عن دار الفارابي بيروت

تتناول سيرة شاعر الخليفة الهارون من حيث ولائه ومعارضته باسقاط عصري

ما زال قائماً الآن

ابو نواس

مقطع من رواية ” لص القمر – سنمار الإخباري ” تصدر قريباً قصر أفيين

 

مقطع من رواية ” لص القمر – سنمار الإخباري ” تصدر قريباً

قصر أفيين

 لص 888880

بدأ الاحتفال بصوتٍ مروِّعٍ ارتجت على إثره المدرجات الخمسة الأمامية التي امتلأت بالضيوف والمدعوين بحسب مراتبهم ودرجات مناصبهم، كان الصوت عبارة عن طلقات صوتية هائلة رافقتها سحابات من أدخنة زرقاء اللون لم يسبق لأيٍ من الموجودين سواء داخل المملكة أو خارجها أن سمع هذا الدوي الهائل أو أبصر ذلك الدخان الأزرق الذي سبح للفضاء على هيئة دوائر حلزونية. توالت الطلقات وتصاعدت الأدخنة فكادت تحجب رؤية الجمهور الكبير الذي ملأ المدرجات عما يجري خلف الضباب الأزرق، في غضون ذلك وتزامناً مع صوت قرع الطبول الذي استمر حتى ارتجت الأرض مرة أخرى على أفواجٍ من العربات تتقدمها خيول بيضاء وسوداء تنبثق من قعر الضباب الأزرق وتعبر أمام الجمهور. زاد من ذهول الحضور بروزَ رهط من المقاتلين الأشداء يقودون مجموعة من الأسود التي بدت جائعة من سمات تكشيرها الوحشي، بدا ذلك استعراضاً للقوة أظهره الملك الأعور ليكشف للجمهور المتحفز عن جوهر المحاربين الأشاوس في استعراض واضح للقوة ربما أراد منه بعث رسالة للمتمردين وحتى للممالك المجاورة التي بدأت تتحرش بحدود مملكته. تلا ذلك عرضٌ حربي لمختلف فرق الجيش التي خرجت بالمئات مدججة بالرماح والسهام والسيوف، في طوابير بعضها على الخيول وبعضها مشاة يحملون الدروع بيدٍ والرماح بيدٍ أخرى. توالت الحشود العسكرية إلى أن بلغت المكان عربتان ملكيتان مزخرفتان بالذهب والماس يعلوهما علمان طويلان للمملكة على هيئة مستطيلين من اللونين الأزرق والأبيض، يتوسطهماً تاجٌ باللون الأسود أوحى بمهابة البلاد. توقفت العربيتان في الوسط أمام المدرج الأول الذي احتشد فيه كبار الشخصيات من وفود الممالك والبلاد الخارجية، منهم ملكان وعدد محدود من أولياء العهود، مع زمرة من ممثلي الإمارات والولايات المجاورة والبعيدة التي ترتبط بعلاقة وثيقة مع مملكة الحيرة، منهم العرب والتتار وحتى الفرس الذين أبدوا في الفترة الأخيرة عداء للأعور بعثوا بوفدٍ يمثلهم.

قُرِعت الطبول بحدةٍ وأُطْلق البوق معلناً عن خروج الملك الأعور وبرفقته الأميرة أفيين وقد ارتدى الاثنان ملابسهما الملكية التي أبهرت الحضور حيث بدا الملك الأعور كإمبراطور خرافي وهو يرتدي حلة بدت على هيئة نسق الطاووس، رُصعت بالجواهر والذهب ولفت السائح الأنظار خلو رأسه من التاج الملكي الذي بهرج رأس الأميرة أفيين وهي بصحبته، بلباسها الملكي المكون من فستان زاهٍ رُصع بالجواهر التي لمعت في وهج أشعة الشمس الدافئة، وقفاز أسود اللون أطرافه ذهبية اللون مع حذاءٍ ذهبي سارت إلى جانبه وهما يصعدان المنصة ليأخذا مكانهما وسط المدرج بين عددٍ من أفراد الأسرة من أبرزهم الأمير نهار الصباح الذي انتصب يستقبلهما لدى بلوغهما المنصبة الرئيسة،. حينها قُرِعت الطبول ثانية معلنة بدء الاحتفال وسط ذهول وتساؤلات وشكوك دارت برؤوس الحضور، خاصة أفراد الحاشية وأعيان البلاد عما يعنيه ارتداء الأميرة أفيين التاج بدلاً من الملك الأعور ذاته، فتقاليد المملكة منذ نشأة حكم أسرة السائح لم تعرف البلاد لقب ملكة ولم يسبق لأي من زوجات ملوك الحيرة السالفين أن سمحوا لزوجاتهم باعتلاء التاج، وهذه المرة الشاذة التي ثارت فيها الأسئلة والهمسات بين الجمهور الذي لم يعتد على رؤية أميرة تتوج دون أن تُمْنَح لقب ملكة، كان محور الهمسات ما إذا سيعلن الملك الأعور تتويج الأميرة أفيين كملكة، وهذا يتعارض مع تولي الأمير نهار الصباح ولاية العهد كخلف لوالده الملك.

هدرت بعد ذلك الاستعراضات المختلفة وكان أبرزها العروض الحربية التي رافقتها إشارات مختلفة حول البذخ الباهر الذي بزغ في هذا الاحتفال الساطع وكنس الشائعات المنتشرة عن إفلاس المملكة، بدا الذهول على وجوه وسمات الحضور جميعهم بمن فيهم وفود البلاد الخارجية الذين لم يصدقوا عيونهم تجاه هذا الإسراف الذي فاق الخيال، فهذه الكميات من الذهب والجواهر وهذه الفخامة في العروض وما حفل فيها الاستعراض كله من انبهار أذهل الجميع، يتناقض مع ما تردد عن إفلاس خزينة البلاد، كما أُشيع، كل هذا البذخ ولم تبدأ بعد رؤية القصر الذي بلغت أخباره الدنيا شرقاً وغرباً.

“هل رأيت الذهول على وجه القوم؟”

همست أفيين بالسؤال في أذن زوجها وهي ترمق المكان الذي بدا أشبه بعروض الممالك الرومانية والإغريقية التي وردت أخبارها في كتب التاريخ، لم تسأل عن من يقف وراء هذا الانبعاث المذهل الأسطوري، بل وقفت عند مصوغات الذهب وألوان الجواهر وأحجام الألماس التي انبثقت من خزائن لم تعلم بها من قبل، كانت تتولى شئون البلاد كلها وأفرغت خزينة المملكة بعلمها على بناء القصر في موعده كما وعدت زوجها السائح، وهي تعلم بما تبقى من ثروة كادت تنضب وأدت لثورة الجياع التي تجتاح البلاد الآن، فمن أين خرجت وانبعثت فجأةً كل هذه الثروة الخيالية التي بزغت في العرض الأسطوري؟ هذا ما شغلها وظلت ترمق زوجها كأنها رغم سعادتها الفائقة تنكر عليه بعتبٍ إخفاءه سر هذه الثروة التي نبتت بغتةً من وراء الغيب، كانت مذهولة ومأخوذة بالعرض ورأت في الأعور ملكاً غير الذي عرفته من قبل، فقد تظاهر بالفقر وأبدى عجزه عن مواصلة بناء القصر، بل ترك البلاد تفقر وتجوع، وصمت حتى انفجرت الانتفاضة دون أن يكشف عن تلك الثروة الجسيمة التي يجلس عليها، حتى ذاتها ورغم قربها منه، لم تتكهن أن ترى ما رأته الآن بأم عينها وأثار فضولها.

لمحت الأعور يحدق فيها مبتسماً بنظرة خبيثة كما لو كان يستفز فضولها حول ما رأته الآن واكتشفته من بذخٍ فاق الخيال، بدت ابتسامته لها طوال الوقت مستفزة وساخرة ولكنه سرعان ما مال عليها وهمس في أذنها.

“كل هذا من الاقتراض”