
حلّت الليلة الأخيرة من العام 1998، كانت الساعة تدنو من الثانية عشرة، والهدوء عمّ الأرواح المتألمة، الحزينة، أسيرة الانتظار في الخارج الفضائي. عمَّت الضوضاء، واختلطت فيها ألوان الفرح والاحتفالات والزينات، مع الاكتئاب والرتابة، والشعور بالضجر. في زحمة الليلة، انتشى البعض وقد فاض بهم الحماس لاستقبال العام 1999، السنة الأخيرة من الألفيّة الثانية، أما أولئك الذين لا تمثِّل لهم الساعات القادمة سوى وقتٍ مستقطعٍ من العام الذي قبله، فليسوا في هذا الحماس، ما يُنبئ عن تغييرات بالأفق الغامض. تُرى أيّ تغيير سيتدلّى عنقوده من شجرة الزمن؟ وأيّ سنة منتظرة؟ كان شهر رمضان متعارضًا مع هذه المظاهر من الاحتفالات بالسنة الجديدة، وكان الشتاء خرافيًا، والبرد والمطر والنقوش والنجوم والغيوم المتخفيّة بأوهامها، جعلت من الليلة الرمضانية، ليلةً ربانيةً، وللبعض الآخر، ليلةً عاريةً تستعد للرقص. أما أولئك المتألمون، فلم يبالوا بهذه الليلة، ولا بتلك، فقد اعتزلوا، وانتظروا بآمالٍ لا تخلو من خيبات الأمّل، ومن التغييرات الآتية من هذه الليلة وما يليها. في مستشفى الإرسالية الأمريكية، التأم شمل أسرة بدأت تتشكَّل للتوّ. تُنْسَج من نسيمة الحلو، وفوزية، وابنها سالم، ومبارك وزوجته، وطفليه، سلمان ولطيفة، ومن أحمد وزينب، والطفلة فاطمة، تجمعوا في هذه الليلة الشتائيّة، التي عاود فيها المطر للهطول، على مائدة فاطمة، آملين أن تُكرمهم الحياة بنجاتها، لتكون نواة هذه الأسرة. زادُهم في هذه الليلة ذكرياتُ مسلم الحلو، وابنه فرج الحلو، وصباح فضل بن علي، وهنيدة.
أما خارج جدران المستشفى، فقد لاحت الليلة أرجوانية، وما زالت، رغم كل الأمطار والغيوم والغموض وأنفاس الأفق، الذي ظلَّ طيلة العام المنصرم محتقنًا ومشحونًا بالإرهاصات، يشي في هذه الساعة عن ثورةٍ ذات طبيعة مزدوجة، تُطغى عليها التغييرات الجذرية، ويظلّ اللون الأرجوانيّ يصبغ بوابة الأفق الآتي.