
اخترت:
من عدد مارس/أبريل 2026 من مجلة الشعراء والكتاب
في نهاية الشارع، أعلى التلة حيث أسكن، يمتد رصيفٌ لم أكن أسلكه إلا نادرًا، رغم سكني بالقرب منه لأكثر من عقد، حتى قبل أقل من عام، حين بدأتُ، بعد خضوعي لجراحة دمج الفقرات، أقطع جزءًا كبيرًا منه سيرًا على الأقدام، أتتبع مساره مرارًا وتكرارًا كل يوم، ببطءٍ شديد، وبوعيٍ تام، حتى أصبحت ملامحه وشقوقه وحوافه وتجاويفه مألوفةً لي كخطوط وندوب يديّ – وما تحمله من ذكريات. في البداية، فكرتُ جديًا في شراء النسخة المدفوعة من تطبيق عداد الخطوات الذي ثبّتُه على هاتفي لتتبع خطواتي وتحفيز نفسي خلال فترة التعافي، متخيلًا خريطة مساري المألوفة التي كان سيُظهرها لي، كأخدودٍ عميقٍ حفرته خطواتي في الأرض مرارًا وتكرارًا، تتخلله معالم صغيرة لا يعرفها سواي. الحافة التي توقفتُ عندها لأمدد ساقيّ المتعبتين من الصدمة؛ عمود الكهرباء الذي حط عليه صقر أحمر الذيل في ضوء الفجر الخافت؛ البقعة على الخرسانة حيث صادفتُ فتاةً تحرق دفتر ملاحظاتها في ظهيرةٍ وحيدة (ابتسامتها وأنا أمرّ)؛ الفجوة في السياج المطل على ملعب كرة القدم بالمدرسة الثانوية التي حدّقتُ فيها لساعاتٍ محاولًا استيعاب وفاة أمي، وأنا أكتب رثاءها، وأردد السطور نفسها مرارًا وتكرارًا، راسخًا في ذهني نمطًا مختلفًا. هذه هي الخرائط التي نحملها معنا، رسّامو خرائط هواة للعوالم الداخلية الشاسعة.
تكتب ناتالي باكوبولوس في كتابها “طمس الحدود في الأدب: حول رسم الخرائط والتسمية، وإلغاء رسم الخرائط وإلغاء التسمية”، عن استخدامها خرائط أثينا أثناء كتابة روايتيها الأوليين: “ساعدتني الخرائط في تخيّل جغرافيا نفسية خيالية للشخصيات التي ابتكرتها على الورق”. لكن التفكير في تحويل عالمٍ مُتخيَّل إلى مكانٍ حقيقي، أو حتى رسم خريطة، ليس إلا طريقةً واحدةً للتفكير في العيش في عوالم خيالية. فالخرائط، في نهاية المطاف، لا تروي إلا نوعًا واحدًا من القصص. في هذا العدد، نرسم وجهاتٍ ذات مغزى، موجودة في العالم المادي – كوخ في بحيرة والووا، أوريغون؛ واستوديو كتابة في بانر، وايومنغ؛ وغيرها من الأماكن المذكورة في “الأماكن التي تجعل الأمر ممكنًا: ملاذات تُغيِّر حياة الكُتَّاب” – وفي فضاءاتٍ أكثر روحانية. تكتب سالي وين ماو: “هذه الأماكن مادية ونفسية في آنٍ واحد، أماكنٌ تُقاوم فيها الكتابة، والتذكُّر، والحلم، فيضًا من الأحاسيس الجديدة”. سواءً أكنتَ تكتب من داخل روتين الحياة اليومية المألوف، أو تتجه إلى آفاقٍ مجهولة، فقد تُغذي هذه الصفحات.