هل توجد قوائم سوداء في الحركة الأدبية؟

مقابلة أجريت في صحيفة البلاد البحرينية مع الصحافية هدير البقالي حول
Picture 096القوائم السوداء في الحركة الأدبية

الموضوع المثار اليوم في هذه الأسئلة المتعلقة بالقائمة السوداء تعود بي الى حقبة تاريخية من العالم، وتحديدا في الولايات المتحد الأمريكية فيما سمي بحقبة المكارثية وقائمتها السوداء التي ضمت كتاب الأعمدة الصحفية والمسلسلات التلفزيونية وكتاب السيناريوهات السينمائية ومسرحيات بردواي وغيرها من أعمال الكتابة التي رافقت مرحلة تاريخية مرت بها تلك الدولة التي استعادت فيما بعد وعيها ووعي الكتاب والناشرين والمؤسسات الصحفية وغيرها من القنوات الابداعية، هذه فقط ديباجة رافقت ذاكرتي حينما قرأت تلك الأسئلة الطارئة والمدهشة التي فاجأتني من صحفية في البحرين ومن جريدة بحرينية تطرقت الى هذا الموضوع المسكوت عنه في الصحافة، وحتى في الساحة الثقافية والادبية وبالتالي حرضني ذلك على الكتابة والرد على تلك الأسئلة من منطلق ما تثيره من حساسية تجاه الكتابة وتجاه النشر والابداع بشكل عام واتركي لي مساحة التحرك في مواجهة هذه الأسئلة التي هي في حد ذاتها مصيدة!
– المصيدة التي يقع فيها الكاتب ليست متعلقة بوقت او مكان محددين فهناك دائما أمام القلم شرك يتراقص حولك ويبدو مستعدا لاستقبالك ان لم تكن محاسباً لقلمك ولمسئولية الكتابة ،صحيح هناك حرية للتعبير وهناك سقف دائما مفتوح للتعبير ولكن هناك كذلك نسيج ليس من القوانين ولا أدوات الحظر ولكن السياج الاجتماعي والموروث الثقافي والأرث البيئي بمعني البيئة الاجتماعية والتربوية هي التي تتدخل للحد من التعبير خاصة في المجتمعات العربية المشربة بالكثير من الحواجز، وهنا تكمن القائمة السوداء ، فردا على سؤالك الأول لا يرتبط وقوع الكاتب في مصيدة القائمة السوداء بوقت ومكان بقدر ما ه مرتبط بالقلم ذاته!
– التشابك موجود منذ لحظة خط القلم العبارة الاولى وهذا ينطبق على الكاتب المعبر دائماً عن جوهر الواقع لا عن سطح الأحداث فالغوص في الواقع والتوجه نحو قاع الحياة ونبش المضامين القائمة هو ما يجعل الكاتب مميزاً فيما اذا كان معبراً ام لا عن الواقع المحاكى للمجتمع ، متى تتعارض الكتابة مع السلطة؟ حينما يخرج الكاتب عن النصوص وحين يقفز بالقلم الى ما وراء ما يسمى بالخطوط الحمراء ولا يوجد معنى للخطوط الحمراء محدد، فالأمر موزع بين هذا الكاتب وذاك فما يكون خطاً احمر عند هذا لا يكون عند ذلك ولكن يقفز الثالوث المحرم كلما تجاوز المبدع والكاتب تلك الخطوط المتعلقة بالمجتمع نفسه، فعلى سبيل المثال ما يمكن الكتابة عنه في البحرين قد لا يمكن الكتابة عنه في مصر او السودان او الجزائر او أي مكان آخر وبالتالي تتداعي وتتشابك الالتباسات بين الكاتب ومجتمعه قبل ان تتشابك بينه وبين نفسه كما ورد في السؤال.
– الترويج للمنتج الثقافي وللكتابة عامة وللفن أيضاً لا يمر بالقائمة السوداء، سوف يسقط هذا العمل وينكشف اذا لم يكن على مستوى من الابداع ولهذا لا أظن ان المتلقي سوف ينخدع بلعبة القائمة السوداء لأن التمييز واضح بين الفن والتجارة ، فأنت لا يمكن خداع المتلقي بتكلف دخولك القائمة، هناك قوائم موجودة على الاقل في الأفق ولكن العصر وزمن العولمة لم يعدان يسمحا بوجود قوائم، لقد سقط زمن القوائم التي عهدناها منذ سقوط جدار برلين.
– كيف ..؟ لعلي لم استوعب السؤال ؟ أو على الأقل لم اقترب من المغزى الذي يرمز اليه ، هل يعتبر مصادرة حق الكاتب ضرب من ضروب الحرية ؟ لا يمكن ان تكون الحرية الا الساحة البيضاء أمام الكاتب ، اما امتداد او تداعي هذه الحرية فهو يعود الى ما ستمتلئ به هذه المساحة البيضاء من حروف ونقاط ؟ ثم ما معنى المخملية ؟ هل الحرية الشائكة والتي تدمي كمشرط الجراح هي المساحة المطلوبة ؟ ثم ان مصادرة حق الكاتب أمر يعود الى الواقع من جهة والى القوانين من جهة أخرى والى وعي الكاتب والى أين يقوده؟ .
– صدقيني اليوم لا وجود للمصادرة والمنع بمعنى المنع المققن والقائم في الأوساط الثقافية وهذا ينطبق على الكثير من الدول ، فانا عل سبيل المثال في روايتين هما “بيضة القمر” و”قمر باريسي” خضت المساحات ونبشت في المسكوت عنه وتعاطيت مع الثالوث المحرم بكل أريحية ومن دون تعتيم ولك أن تقرئي العملين وستكتشفين بنفسك مساحة المسكوت عنه الذي لم يعد مسكوت عنه وقد حدث ان صودرت الرواية الاولى في الاردن لفترة وجيزة ثم افرج عنها ولم يكن هناك غياب لمسار الكتابة حيث استرسلت فيما بعد بالتنقيب داخل المسكوت عنه، لقد كان لاقتحام ذلك المسكوت عنه ثمناً جميلاً جدا وكسبت منه انتشار الروايتين في المنتديات الثقافية والادبية ووصلت الى منشورات “أمريكا بوك” وهذا الشعور بالاقتحام وبالنتيجة يعادل الجهد المبذول في حالة الخوض وراء الابواب المغلقة ، لم احتاج ان أصل الى مستوى تهريب الكتاب ولا والى حالة الممنوعات المحرمة بل وصلت الى القراء بحرية وان كانت صعبة المنال لدى الوهلة الاولى لكنها تستنتج بنفسها القوة على الشعور بالحرية من أن تعتدي على الحرية للآخرين، فيما تحي عن زمن وموضوع .
– شخصياً لست من هؤلاء ولا أقر السوداوية من منظور فرضها على الواقع ، الكاتب طليعي الفكر والوعي بطبعه وان أراد ان يعالج المشكلات والإشكالات فهو ينطلق من منظور آليات الكتابة الحيوية المشغوفة بتحسين الحياة وليس بتعتيم الواقع الذي قد يكون معتماً ولكن الكاتب دائما يجد بصيص من النور حتى في الليالي السوداء المعتمة والا فقد القدرة على التغيير نحو الأفضل ، صحيح الكاتب لا يغيير بكتابة الحروف والكلمات ولكنه بواسطة الكتابة يدل الأخرين على التغيير وهذه وظيفة الكاتب وليس بالاصرار على التغلغل في المحظورات لأهداف دعائية فحسب.
– في رأي تجاوزنا الثالوث المحرم بقدسيته السابقة والقديمة فقد أسهم الإسلام السياسي ودخول الدين حلبة السياسية على سحب البساط من تحت أقدام المتأسلمين سياسياً ويرجع الفضل في ذلك الى خلط الدين بالسياسية فحدث الانفراط من الثالوث أما بشأن الجنس فان عصر الانترنت والفضائيات المفتوحة والكتب المنشورة بواسطة الانترنت كلها شرخت جدار المسكوت والمحظور الدخول فيه بشأن الجنس، أما ثالث الثالوث وهو السياسية فان التغييرات التي طرأت على العالم وتعدد الأفكار وبزوغ الديمقراطيات فقد فتحت السقف الى أكثر من الثلثين وهذا تقدم .. اذن الثالوث في رأي لم تعد له عذريته.
– هذا جيد أحيانا اذا ما نظرنا اليه إعلامياً ومن شأن كثير من الكتاب ان ينساقون بأنفسهم الى المحاكم لغرض الدعاية، طبعا ذلك ليس تعميماً فما زلنا نحتكم الى المحاكم في كثير من حالات العجز عن الدفاع الفكري ، نعم بعض الكتاب يمارسون لا اسميه بالجرم على الورق فذلك قاس جدا ولكن بحثا عن اللذة الصارخة المستفزة وهذا موجود لدى البعض.
– هذا ما يميز الأعمال التجارية والاستهلاكية والكتابة اليومية الصحفية ولكنها لا تنطبق على الفن والأدب، فالثقافة لها طابع من الرقي الذي لا ينحدر الى هذا المستوى وأشك في ان المبدع تستهويه العناوين الملفتة، الا إذا كان من الطراز الاستهلاكي.. فالإبداع محتوى ومضمون وهو يفرض جوهره على الجميع من دون ان نضعه في صناديق مختومة بالشمع الأحمر، خذى مثالاً كتب الطبخ مهما ازدهرت بالصور والألوان والورق المصقول والطباعة المفتونة لكنها تظل كتب للطبخ ممتعة وجيدة للبطون ولكنها مفلسة في أغلبها للعقول ولذلك فان الابهار يأتي من المضمون وليس في الشكل.
– الوقت والمستقبل في صالح هذا التوجه والذي أعني به استشعار الحرية من دون التوجه الى تهم التكفير ومهما بدت الساحة مشمولة حالياً بألغام الصحوة الدينية المسيسة الا ان المؤشرات في صالح انحدار هذه الموجة وستكشف الأزمنة التي ليست بعيدة عن هذا التوجه المعبر عن انحسار المد المتشدد وهذا في صالح الكاتب والحروف والكلمات.
– القائمة السوداء موجودة وغير موجودة، الكاتب وحده مقدر له ان يلغيها أو يبقي عليها ونحن اليوم في عصر العولمة ليس هناك وقت ولا مكان للقوائم السوداء الا لمن أراد ان تبقى هذه القوائم في ذهنه وذاته المبدعة.

الكاتب: loutes99

روائي بحريني اصدر العديد من الروايات والمسرحيات والدراسات للمؤلف ... - شهرزاد الحلم والواقع مسرحية مجلة الأقلام العراقية - الصعود الى المنحدر الرمادي مسرحية مجلة الأقلام العراقية - ابونواس يرقص الديسكو مسرحية......دار الفارابي– 1982 - فنجان قهوة للرئيس مسرحية دار الفارابي - سينما التحولات دراسة نقدية لسينما يوسف شاهين ....دار الربيعان للنشر والتوزيع – الكويت 1986 - كرة الرماد دراسة – وزارة الإعلام – البحرين - الديمقراطية الالكترونية دراسة مؤسسة الأيام للنشر التوزيع البحرين - 1997 - الديمقراطية الانقلابية دراسة في مشروع الإصلاح البحريني- مؤسسة الأيام للنشر والتوزيع البحرين 2005 - بيضة القمر رواية – المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2001 - قمر باريسي رواية المؤسسة العربية للدراسات والنشر– 2009 - الخراف الضالة رواية دار الفارابي - رقصة أخيرة على قمر أزرق - رواية - يسرا البريطانية - رواية - خريف الكرز رواية - حرب البنفسج رواية - لص القمر سنمار الإخباري صدرت مؤخرًا - القرنفل التبريزي - ابو العلاء المعري تصدر قريبًا عن دار الفارابي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s