بحر أخضر .. شاهداً [مقطع من السيرة]

جديد احمد جمعةMuharraq-20120323-00147جمعة- المهمّشون شكّلوا غالبية في بلدي حتى أواسط القرن الماضي
بعد الانتهاء من رواية (يسرا البريطانية التي ستصدر قريباً المؤلف ينشر سيرته مع البحر والسياسة والحياة في كتابه القادم الذي يلخص سيرة حياة تمثلت في ثلاثية القمر الروائية والتي شملت (بيضة القمر) و(قمر باريسي) و(رقصة أخيرة على قمر أزرق) مع ذكريات عمر طويلة امتدت لخمسة عقود..

بحر أخضر .. شاهداً
[مقطع من السيرة]

حي البنعلي بالمحرق ذا السماء الرمادية والبحر الذي يشكل ساحله كالشريط الأزرق المميز له عن بقية الأحياء حيث يبدو فيه الحي أشبه بجزيرة مستقلة لها تضاريسها الخاصة، من هذا المكان ومن على بعد منه ولدت من بقعة تبعد بضعة أمتار عن البحر ولهذا كله شكل البحر لي رئة التنفس الإضافية على رئتيي الطبيعيتين، كان المنزل عبارة عن بيت يتشارك فيه ثلاثة أخوة احدهم والدي جمعة مبارك بن حبيب المنتمي لأسرة بن حبيب الكبيرة التي ما زالت تتوزع اليوم عدة مناطق من البحرين والسعودية ومن هذه العائلة تزوجت وأنجبت أبناء وأحفاد ينتمون لعائلة بن حبيب.
كانت أولى خطواتي هي القفز من عالم المهد إلى عالم الطفولة في حي البنعلي بالمحرق المحاذي للبحر الذي استلهمت من فيما بعد مناخات رواياتي كلها تقريباً، إذ كان البحر بمثابة البركان الذي تولد منه السنة اللهب في الحياة الفطرية المفتوحة على المغامرة المحفوفة بالمخاطر والتي راح ضحيتها العديد من الأطفال بسني وأكبر نتيجة عدم خبرة بالبحر وأسرار مخاطرة، كان الحي المذكور يغص بالأطفال وكأنهم وحدهم سكان المنطقة ولقد لفت انتباهي فيما بعد عدد الأطفال حينذاك وجعل ذلك يدفعني للتساؤل: هل لكون عدد كبير منهم لم يذهب للمدارس وبالتالي كان الشارع يحتويهم؟ أم أن تلك المرحلة التاريخية كانت شاهدة على التزاوج بين الأهل والأقارب ونتيجة لذالك التزاوج شهد الحي والأحياء المجاورة له هذا الكم من الأطفال يملئون الشوارع منذ بداية النهار حتى مغيب الشمس وحلول الظلام، من هذا المكان الذي جسد التمازج الكلي معه، في هذا الحي البحري المنغمس في الصيد والرحلات المكوكية بين الساحل وقرية “عراد” القديمة التي يفصل بينهما خور عراد حيث كانت عبارات السفن الصغيرة تنقل الركاب بين الساحلين، بدأت أتلمس دربي في الحياة بين مجموعة من أطفال الحي أذكر منهم اليوم احمد محمد البنعلي وعلى عيسى أبو الشوك وشقيقه محمدين وراشد الحلو وعبدالعزيز بوخماس بالإضافة لأبناء عمي يوسف احمد بن حبيب وصقر مبارك بن حبيب والأخير شقيق زوجتي، ودائرة كبيرة من أطفال الحي، وفوق ذلك كنت اكتسب في كل يوم جديد شبكة من الأصدقاء كعادة أطفال تلك الحقبة، وأواصل البحث عن الأصدقاء في المدرسة والأحياء المجاورة، كانت هناك مواقع مختلفة نتحرك فيها كأطفال تمتد من حي البنعلي صعوداً حتى حي البوخميس، كنت من خلالها أشكل لي شبكة من الأصدقاء من الأحياء التي تضج نشاطاً وحيوية وكان على رأسها بالطبع حي البنعلي بالمحرق القريب جداً من الساحل، وكانت روائح البحر في الأيام الصيفية الحارة تسافر محلقة على المنازل وتطوف أرجاء الحي، عندما كنت منغمساً حينذاك من خلال طفولة البحر والساحل والمغامرات الصبيانية، لم أكن أعي أنه في أحد الأيام سأكون إنساناً رسمت له الحياة دربه لم يختره ولم تتكشف معالمه بعد، انطلقت بعد مرحلة الطفولة في دروب متشعبة متنافرة الاتجاهات، هذه الدروب أخذتني بعيداً عن حي البنعلي، شعرت عندها أن بداخلي الكثير لأخرجه.. ولكن كيف السبيل؟
بدأت بالرياضة ومنها تحولت إلى الثقافة وامتهنت التأليف التلفزيوني ولما أبلغ السادسة عشرة من عمري، كنت أيضاً أصغر من أعد البرامج الإذاعية وأنا طالب بالثانوية وأعمل لدى شركة البحرين للسينما، حتى اليوم وأنا أرأس المكتب السياسي لجمعية ميثاق العمل الوطني .
عندما فتحت عيني لم أكن أعي سوى أنني واحد من “عيال” “فريج” البنعلي الحي الذي هو بمثابة مدرستي الأولى في معترك الحياة، فيه تلمست بداية الطريق، ومنه أخذت أنقل الصور المعتملة بداخلي وأرمي بها على طرقات الحي، كنت كأبناء أي “فريج” من فرجان البحرين القديمة المتناثرة أبحث عن نفسي أولاً، أحاول رسم ملامح شخصيتي لأنطلق بعدها في “دواعيس” طويلة لا نهاية لها.. مع أصدقاء يرافقونني في بداية المشوار.

في السنوات السبع الأولى من العمر يبدأ الإنسان عادة يدرك ما حوله، ويتنفس المعرفة الأولية بالحياة التي عادة تولد بسيطة وعفوية ثم تتعقد، بحثت أولاً عما أميزه.. وكان البحر أول من استوقفني وأرهبني صوته، وتكسر أمواجه على السواحل الصخرية، بدأت ألمسه.. أدخل قدماي في رمله ويبدأ بمصافحتي.. تعاهدنا حينها على صداقة لا تنتهي.. كانت بيوتنا مقسومة إلى جزأين الأول على اليابسة والأخرى ملاصقة للبحر، كنا لا نفترق حتى عندما تثور المياه في منطقة تشتد فيها خطورة المياه حيث تبدأ الحدود من منزل يسمى ببيت عبدالنور ويمتد لمنزل آخر يدعى بيت بوخماس.
المنطقة بمجملها كان يحاصرها البحر من كل الجهات كانت معاركنا حتى قبل دخول المدرسة تكمن في البحث عن (الشرايب) واللعب بها، وتأمل تلك المخلوقات الصغيرة وكيف تقوى على العيش داخل البحر الهائج، وكيف تحفر بيوتها في الرمل أو تحت الحجارة، كانت (الشرايب) بضاعة يبحث عنها من هم أكبر سناً، وكنا مصدر جلبها لهم نصطادها بعد أن (تثبر) – الجزر- المياه ونسلمهم إياها.
كانت «الشرايب» مادة لصيد أسماك «الميد» بالسم بعد دقه وطحنه ونثره فوق مياه البحر مع “سقاية”الماية – المد- بعد ساعة من الزمن يتحول البحر إلى غطاء أبيض من الميد والقرقفان والعفاطي، وكل ما يلتهم السم من أسماك وكائنات بحرية، يطفح ميتاً ليتحول إلى صيد سهل لأهل الحي، لينطلقوا في سباق من أجل حصاد اكبر ورزق أوفر من الصيد، كان البعض يلاحق الأسماك بالعصا إن كان فيها بقية من روح، ومازلت أستذكر تلك المشاهد الجميلة وكيف كان البحر مصدراً للغذاء والرزق واللهو.

لا أود سرد سيرة حياتي وتجاربي الصغيرة تلك بالقفز عن عشقي للبحر الذي تلبسني لدرجة الهوس بكل تفاصيله من هواء ونكهة وطقوس تشربتها واعدت صياغتها في جميع رواياتي تقريبا من “بيضة القمر” التي صدرت في 2001 وتم مصادرتها ومنعها من التوزيع في كل من البحرين والأردن بعد خطبة يوم جمعة للشيخ نظام يعقوبي استوفى كل جهده في مهاجمتها واتهامها بشتى النعوت وقد رددت عليه في جريدة الأيام في وقتها، كان يومها وزير الإعلام نبيل الحمر وقد افرج عنها لاحقاً كما توزيعها بعد ذلك في الأردن وقد ابلغني بمنعها هناك ماهر الكيالي صاحب المؤسسة العربية للدراسات والنشر وهي الدار الطابعة، بالإضافة الى ذلك تمكن البحر من رويتي “قمر باريسي” و” الخراف الضالة” وحتى الساعة لا اشعر بأنني أوفيت البحر حقه برغم كل هذا التوظيف له، كذلك في “الخراف الضالة” لم أبتعد عن البحر أبداً، وعلاقتي به سلطت على شخوص الروايات الثلاث وأبطالها.
الذاكرة اختزنت بداخلي أسرار البحر ومنحتي الإلهام كي أتعرف على ما يدور فيه وحوله بدأت اكتساب المعلومة وتوظيفها حتى قبل دخول المدرسة، إذ كان البحر معلمي الأول وما يزال، لا يبخل علي كلما احتجته.. يفتح لي الدروب والأبواب الموصدة.. وينصب فيها مصابيح النور ويكسر الظلام لأبد السير بأريحية وثقة متناهية. من أين جاء البحر وكيف بدأ كل هذا العشق وتلبسني بهذا القدر؟ كان الخال رحمه الله علي الديك ويلقب من البحارة والسكان وكل من يعرفه ب: (بوعلوة) أحد اشهر البحارة في ساحل المحرق هو وسلمان الديك، حيث بدأت حياتهما ورحلا عنها من البحر والى البحر، ففي سنوات عمري الأولى وقبل بلوغي الخامسة من عمري كان يأخذني معه في البداية في الرحلات البحرية القصيرة ليوم واحد وعادة ما كانت هذه الرحلات عبارة عن نزهة بحرية تأخذ السفينة عدد من الأجانب (الانكليز) مع نسائهم الى رحلة ليوم واحد للصيد والسباحة وكانت المناطق لا تتجاوز المركب “الطبعان” وهو قريب من مياه ميناء سلمان اليوم اذ لم يصل وقتها العمران الى هذا الحد فكان البحر يبدو بعيداً وعميقاً، ثم بدأ تدريجياً يأخذني للرحلات الطويلة التي تمتد عادة ثلاث لياليٍ ونبحر فيها الى مناطق قريبة من قطر ومن الفشوت.

الكاتب: loutes99

روائي بحريني اصدر العديد من الروايات والمسرحيات والدراسات للمؤلف ... - شهرزاد الحلم والواقع مسرحية مجلة الأقلام العراقية - الصعود الى المنحدر الرمادي مسرحية مجلة الأقلام العراقية - ابونواس يرقص الديسكو مسرحية......دار الفارابي– 1982 - فنجان قهوة للرئيس مسرحية دار الفارابي - سينما التحولات دراسة نقدية لسينما يوسف شاهين ....دار الربيعان للنشر والتوزيع – الكويت 1986 - كرة الرماد دراسة – وزارة الإعلام – البحرين - الديمقراطية الالكترونية دراسة مؤسسة الأيام للنشر التوزيع البحرين - 1997 - الديمقراطية الانقلابية دراسة في مشروع الإصلاح البحريني- مؤسسة الأيام للنشر والتوزيع البحرين 2005 - بيضة القمر رواية – المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2001 - قمر باريسي رواية المؤسسة العربية للدراسات والنشر– 2009 - الخراف الضالة رواية دار الفارابي - رقصة أخيرة على قمر أزرق - رواية - يسرا البريطانية - رواية - خريف الكرز رواية - حرب البنفسج رواية - لص القمر سنمار الإخباري صدرت مؤخرًا - القرنفل التبريزي - ابو العلاء المعري تصدر قريبًا عن دار الفارابي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s