مقطع من رواية يسرا البريطانية – تصدر قريباً

****

 تطلعت نجوى القطان إلى سماء العراق، ولاح لها أفق الزبير وحده من بين كل الأمكنة وبدا لها الفضاء كأنه يوم الحشر، سمعت يسرا صوت نجوى القطان تتمتم ببضعة كلمات غير منسقة، وتناهى لسمعها من غرفة المعيشة الملاصقة للفناء الخارجي ويفصلهما باب إطاره من الخشب المدهون بصبغ “الوارنيش” الرصاصي اللون صوت لمقرئ يتلوا سورة الحشر “هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ”

توقفت لوهلة، أطلت بوجهها من نافذة الغرفة نحو السماء الملبدة بالغازات والغيوم، شعرت ببرودة تسري في كف يدها التي وضعتها على إطار النافذة وسرت رعشة بداخلها وهي تسمع المقرأ الذي لم تميز إن كان يقرأ من إذاعة بغداد التي ما انفكت تذيع بعض القراءات القرآنية منذ أن لاح لها موعد شن الهجوم الدولي على البلاد أو خلال جهاز تسجيل أدارته والدتها التي اعتادت على سماع القرآن كلما شعرت بحزن يداهمها نتيجة للأوضاع المتدهورة في الزبير، امتد تأملها للسماء بين نظرة فاحصة للغيوم تجري عند المساء وبين صوت المقرئ الذي انساب يزرع الخوف في داخلها وكأنه ينذر بساعة بمحنة تطرق الأبواب، طفقت تتحسس وجهها بكفها كمن تقيس درجة حرارتها، لتصحو على صوت والدتها يأتي من الطابق العلوي.

” لا احد يسقي الحديقة هذه الأيام، القي نظرة إذا ما كانت بحاجة لماء”

ردت عليها وهي تبلع موجة تثاؤب اجتاحتها محاولة كبت استيائها الذي أخذا يتصاعد في الآونة الأخيرة.

” أنت تعلمين لا توجد مياه هذه الأيام حتى الصهاريج لم تعد تأتي؟

كانت البلاد واقعة تحت حصار خانق أثر على إمدادات الكهرباء والماء، وكانت أغلب الساعات يعيشها السكان أما بدون مياه أو كهرباء أو الاثنين معاً، ظلت تتأمل الخارج عبر النافذة فيما تتناهى أصوات من الخارج على غير العادة، إذ كان الحي يغط في هدوء والناس اعتادت على الاختباء أو العزلة لشعورها بالمرارة واليأس، كانت طبول الحرب التي تقرع منذ أيام قد بلغت مداها خلال الساعات الأخيرة من اليوم ودار شريط السنوات المنصرمة لبرهة في ذهنها الواهن بالتعب والتشويش، عبرت سنوات الطفولة ووجوه زميلاتها في الدراسة، رأت وجه صباح السند التي تذكرها بغيرتها منها وهي تأتي الفصل متأنقة وتسير بخطوات متكبرة تعكس تميزها عن بقية الطالبات، ثم كيف انعكست الغيرة لصداقة بينهما حتى يوم وفاتها المفاجئة نتيجة مرض غامض عصف بها لبضعة أيام ثم رحلت مخلفة حسرة في المدرسة كلها، تذكرت سعاد بن سلوم مدرسة العلوم بوجهها الطفولي وصوتها الذكوري وهي تقذف الكلمات النابية على الطالبات وكيف وقعت المشاجرة ذات صباح عند باب الفصل مع إحدى الطالبات البويات وتدعى خضرة المياس.

عبرت يسرا مراحل الدراسة خلال فترات الحروب منذ الطفولة وحتى المراهقة والأجواء كلها مشبعة بالحروب والانتفاضات والحصار الذي ترك بصماته على النفوس، كانت وهي على مقاعد الدراسة الابتدائية والإعدادية والثانوية تسير بنفس النمط من الرتابة والوحدة والعزلة، وكانت تتضاعف هذه الحالات سنة بعد أخرى ولكن وللغرابة أخذ ذكاءها يتصاعد هو الآخر وكلما ازدادت عزلة، زادت ذكاءً ووسع ذلك من فجوة العلاقة بينها وبين الأم.

لم يكن لدى والدتها أهمية للحالة الانعزالية التي تمر بها، في البداية وفي فترة الطفولة، مرحلتها التي قطعتها سريعاً، فاتحت فيه نجوى القطان جبار الشريف بحالة الفتاة وأبدت له في المرة قبل الأخيرة من بدء الحرب عن شكوكها من أن تكون الفتاة تعاني من التوحد فما كان منه إلا أن أطلق ضحكة ساخرة وهو الذي لا يعرف الضحك ولا حتى الابتسام في حياته، نظر لها بنظرة صارمة قال لها بنبرة جافة ” بعد كل هذه السنوات اكتشفت حضرتك توحدها، يا سلام عليك” ثم شرح لها بنبرة أخرى مختلفة بأن فتاة بهذا الذكاء الخارق الذي يفوق ذكاء النساء من أمثالها لا يمكن أن تكون متوحدة، وأسترسل في المماحكة قائلاً “البنت سر أبوها وهي تشبهني” بعدها لم يكن الشغل الشاغل للأم هي الفتاة كأنما كانت كلمات جبار الشريف بمثابة قطع للجسور بينها وبين الابنة المدللة لديه وشعرت بأنها استحوذت عليه من دون باقي أفراد الأسرة، بل وذهب أبعد من ذلك حين تجاهلت فيما بعد كل ما تمر به يسرا من مواجهات في حياتها سواء في الحي أو في المدرسة و لم تكن في يوم آخر بعد تلك المواجهة مع الأب محل الاطمئنان عليها من قبل الأم، كانت ترى أن الأطفال لا يعانون من التوحد إذا كانوا بهذا الخبث والذكاء وكانت ترى في ابنتها خبث الطفولة في البداية ثم رأت فيها خبث النساء حينما كبرت ولم يمر يوم بعد ذلك شعرت فيه يسرا بوجود الأم إلا عندما تمرض أو تصاب بإصابة من سقطة أو صدمة فقد كانت تقترب منها وتعالجها في حين كانت الأخرى تكتفي بالمراقبة والنظر في عيني الأم لعلها تصطاد مسحة من عاطفة.

كان الاكتشاف المباغت  لأعراض التوحد عندما التقت بهيثم الشريف الذي لا حظ بعد أقل من شهر حالة الفتاة  وربطها بما قرأه وسمعه عن التوحد عند الأطفال الذي تظهر أعراضه منذ الشهور الأولى ولكنه توقف عندما ربط بين ما يعرفه عن هذه المرض من تأخر الطفل فى الكلام واللعب والتفاعل مع الآخرين، وبين ما هي عليه من التفوق والذكاء والنتائج التي حققتها في كل مراحلها الدراسية.

الكاتب: loutes99

روائي بحريني اصدر العديد من الروايات والمسرحيات والدراسات للمؤلف ... - شهرزاد الحلم والواقع مسرحية مجلة الأقلام العراقية - الصعود الى المنحدر الرمادي مسرحية مجلة الأقلام العراقية - ابونواس يرقص الديسكو مسرحية......دار الفارابي– 1982 - فنجان قهوة للرئيس مسرحية دار الفارابي - سينما التحولات دراسة نقدية لسينما يوسف شاهين ....دار الربيعان للنشر والتوزيع – الكويت 1986 - كرة الرماد دراسة – وزارة الإعلام – البحرين - الديمقراطية الالكترونية دراسة مؤسسة الأيام للنشر التوزيع البحرين - 1997 - الديمقراطية الانقلابية دراسة في مشروع الإصلاح البحريني- مؤسسة الأيام للنشر والتوزيع البحرين 2005 - بيضة القمر رواية – المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2001 - قمر باريسي رواية المؤسسة العربية للدراسات والنشر– 2009 - الخراف الضالة رواية دار الفارابي - رقصة أخيرة على قمر أزرق - رواية - يسرا البريطانية - رواية - خريف الكرز رواية - حرب البنفسج رواية - لص القمر سنمار الإخباري صدرت مؤخرًا - القرنفل التبريزي - ابو العلاء المعري تصدر قريبًا عن دار الفارابي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s