أنا والبحر وراديو الترانزستور

 

13418230896

أنا والبحر وراديو الترانزستور

[ مقطع من مذكرات تصدر لاحقاً]

كان البحر معلمي الأول، لا يبخل علي كلما احتجته.. يفتح لي الدروب والأبواب الموصدة.. وينصب عبرها مصابيح النور ويكسر الظلام لأبد السير بأريحية وثقة متناهية، من أين جاء البحر وكيف بدأ كل هذا العشق؟ كيف تلبسني بهذا القدر؟ كان الخال رحمه الله علي الديك ويلقب من البحارة والسكان وكل من يعرفه ب: (بوعلوة) أحد اشهر البحارة في ساحل المحرق هو وسلمان الديك، حيث بدأت حياتهما من البحر ورحلا عنه، من البحر والى البحر.

 في سنوات عمري الأولى وقبل بلوغي الخامسة من عمري كان الخال يأخذني معه من البداية في الرحلات البحرية القصيرة ليوم واحد وعادة ما كانت هذه الرحلات عبارة عن نزهة بحرية تأخذ السفينة عدد  من الأجانب (الانكليز) مع نسائهم الى رحلة ليوم للغوص والصيد والسباحة وكانت المناطق لا تتجاوز المركب “الطبعان” وهو قريب من مياه ميناء سلمان اليوم اذ لم يصل وقتها العمران الى هذا الحد، فكان البحر يبدو بعيداً وعميقاً، راح تدريجياً يأخذني للرحلات الطويلة التي تمتد عادة ثلاث لياليٍ ونبحر فيها الى مناطق قريبة من قطر ومن الفشوت، كانت الأيام والليالي في البحر بمثابة عزلة بشرية لمجموعة أفراد يحتويهم عرض البحر بتقلباته الماكرة، مرة تعصف الرياح بالسفينة ومرة ترأف بها لكن السماء تذكرنا بأنها السقف الوحيد فوقنا، كانت هناك ليالٍ لا تنسى، منها تلك الليلة التي عزف البحر خلالها سيفونية هوائية ماطرة، إذا فوجئنا قبل المساء وكنا في عرض البحر وقد انتهينا من رفع أقفاص الصيد الكبيرة وأوشك البحارة على التوجه لقصار “نون” وهو بقعة من اليابسة في عمق البحر عادة يتم المبيت بقربها حتى الفجر، فإذ بزخات من المطر تهطل سرعان ما صاحبها تيار هوائي لتتحول في لحظات إلى انفجار للسماء عن ثورة ماطرة مصحوبة بعاصفة هوائية مع الرعد والبرق، بالنسبة لي كانت تلك المرة الأولى التي أواجه فيها بمثل هذا المشهد الهادر، راعني الموقف وأدرك خالي رحمه الله مدى خوفها فسحبني من وسط  السفينة لقاعها فيما يسمى “بالخن” حتى لا أرى المياه الثائرة تغمر سطح المكان ومعها شلال المطر يهدر، ابحرت السفينة بكل طاقتها معترضة الموج الذي راح يلعب بها ورغم كل هذا المشهد الجديد علي إلا أني لم أر في وجوه البحارة ومعهم الخال ما ينم عن أي قلق أو خوف، على العكس كانوا اشبه بمن اعتاد على  هذه الصورة طوال حياته، بل ان بعضهم كان يضحك على الارتباك الذي ساد السطح والبعض شغل بتنظيف السطح فيما كانت السفينة تشق وجهتها باتجاه قصار “نون” الذي اعتدنا “نطرح” عنده، هذا المساء علمني لغة سحرية لمعني غضب البحر وكيفية التعاطي معه في مثل هذه المواقف، كيف تكون الاعصاب هادئة والنفس مطمئنة والحركة مستقرة مما يزرع الاسترخاء ويزيل الخوف، البحر في مثل الأيام العاصفة افضل دواء للخوف والتوتر، إذ يعلمك الصلابة والتحمل من دون ارتباك وهو ما تكتسب منه بعد ذلك سلوك القوة والتماسك، ولهذا تجد الأجداد والآباء الأولون يتميزن بالقوة والقسوة والصلابة لأنهم اكتسبوا تلك الصفات من خلال البحر منذ طفولتهم حين يؤخذون لقلب الموج ويتوجهون لتلك المواقف القاسية، هذا البحر الذي يتسم بالرعب من بعيد لدى الذين يجهلون أسراره وبعضهم يتهمه بالغدر، هو في الواقع معلم يأخذك في دروس تتعلم من خلالها كيف تعيش الحياة وكيف تواجه الواقع بتوازن من دون أن يطرف لك جفن ومن دون توتر قد يقلب الموقف ضدك.

بيني وبين البحر منذ ذلك العمر علاقة ما انفكت تنعكس على تصرفاتي وسلوكي وأكثر ما أواجه فيها نفسي مع ذكريات البحر تلك التي اسبغها على أغلب رواياتي اليوم، لقد أمتد تأثيره ليشمل نسيج الروح القريبة من الأشخاص الذين تعلمت منهم سلوكيات البحر، وأقربهم الخال بوعلوة رحمه الله الذي لم يكن سوى كائن يسكنه البحر وقد عبرت عن وصفه في روايتين على الأقل وهما “بيضة القمر” و”الخراف الضالة” كان الرجل عبارة عن جسد يسكنه البحر، لدرجة انه كان يعطي مثالاً على انسلاخه التام عن الحياة والاندماج في البحر أنه ظل ينام طوال حياته في السفينة حتى عندما تكون على مقربة اليابسة، يطبخ، يأكل ويشرب ويسترخي – ويدخن “الكدو” شيشة البحارة – ذاك الوقت ويستحم كل ذلك على سطح السفينة أو في جوفها، كنت أقضي الوقت معه، وعندما أصاب بالسأم يأخذني لساعة أو أكثر في نزهة على اليابسة، إلى المقاهي الشعبية الملاصقة للساحل بجنوب المحرق حينذاك، التجول بسوق المحرق، كنا مثلاً نتجه لمتجر بوخماس لشراء أدوات صيد السمك، أما أشهر المقاهي التي نرتادها فهي مقهى العلوى المقابلة لبلدية المحرق القديمة قبل أن تزال تلك الرقعة لتصبح اليوم مجمعات ومتاجر ومحلات لبيع الحلوى، كانت المنطقة يومها عبارة عن ساحل البحر تقابله مباشرة أسواق شعبية مفتوحة لبيع اللحوم والاسماك والخضار جميعها في سلسلة واحدة متشابكة ومتداخلة بعضها في بعض واذكر أنه كان هناك في الوسط تنور كبير يقوم عليه احد العجم لم أعد اذكر أسمه ولكن وجهه المشوب بالندوب ما زال محفوراً في ذاكرتي، كان يشوي بداخل هذا التنور قبل المساء أجزاء الذبيحة من رأس وكرش ولسان و رقبة، كانت الدنيا وقتها بالنسبة لي البحر والسفينة وهذا التنور، ولم يبتعد عالمي هذا وأنا بسن الثامنة والتاسعة عن هذا المحيط،وكان أسوء ما يقطع حبل هذا العالم ويفصلني عنه انتهاء موسم الإجازة الصيفية وبدأ موسم الدراسة إذ أفتقد نكهة البحر وسحر الساحل وطعم التنور وشاي الحليب بالمقهي وسطح السفينة وأهم من ذلك كله ركوب البحر وعبور الموج ومنظر الأسماك الصغيرة والكبيرة بألوانها كقوس قزح وهي بداخل القفص تخرج يقطر منها الماء، أراها اليوم بعين الكتابة أشبه بحديقة من الأسماك الزاهية، من الربيب، الهامور، العنفوز، الفسكر، والشعري وغيرها، افتقد كل ذلك وأكثر وقت المساء قبل مغيب الشمس حين ترسو السفينة بمحاذاة أحد الفشوت أو بقرب قصار “نون” عند ساعة الفراغ حينما أرمي بخيطي في البحر للصيد فيما تصعد من حولي رائحة الطبخ، إذ يُحضر العشاء وهو الرز والسمك ونكهة البهارات التي لا تضاهيها أي نهكة على اليابسة، اذكر الخال وهو يأمر أحد البحارة ويدعى حسن اليعقوب، بأن يطهو المحمر بالسكر لتقليل استهلاك التمر الذي يستخدم للافطار في الصباح. 

عندما يبدأ فصل الدراسة وانقطع عن ركوب الموج، أشعر بالوحدة والفراغ وحتى العزلة التي لا يكسر طوقها اللعب وللهو مع أطفال الحي، اقضي أيام الأسبوع أتطلع ليوم الإجازة وهو الجمعة إذا صادف وان كان الخال على اليابسة، فاخرج منذ الصباح الباكر وأتوجه للسفينة التي تكون عادة راسية على ساحل فرضة- الرصيف- المحرق الذي أصبح اليوم موقعه يمتد من بريد المحرق حتى حدود جسر الشيخ حمد القديم الذي كان وقتها توازي حافته فرضة روسو السفن، أعبر الخشبة التي هي عبارة عن الجسر بين السفينة والرصيف وأنادي عليه وإذا لم يكن هناك أخرج وأتوجه للمقهى، وإذا لم يكتب لي أن أجده هناك أعود مرة  أخرى  للسفينة وأجلس لدقائق وربما ساعة أو ساعتين وأحياناً أكثر بانتظاره، لم يكن لديه مكان غير المقهى أو السفينة ونادراً ما يكون بداره وهو المنزل الوقف الكبير الذي ما زال قائماً ولا أعلم من يسكنه أو يؤجره أو يستثمره فكل الذين أعرفهم وتربطني بهم علاقة من خوال وخالات قد توفوا وانقطعت صلتي بهم باستثناء بعض الاحفاد الذين لا يظهرون سوى في المناسبات الطويلة!! كنت وقتها كما ذكرت لا اتجاوز التاسعة من عمري، اخرج وحدي من حي البنعلي واعبر الطريق كله باتجاه سوق المحرق من دون أن أخشى شيئاً، لم يصادفني طوال هذه السنوات أي خطر أو موقف سوى خشيتي وأنا أعبر الطريق من بعض الكلاب الضالة  التي كان وقتها تكتض بها الطرق والشوارع وخاصة بمنطقة حي الشيوخ بقرب منزل الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في وسط مدينة المحرق من الطرف الشرقي جهة الشمال، تحيط به من الجوانب الأخرى طرق فرعية هناك تنتشر الكلاب السولوقية التي عادة ما تكون هادئة ونائمة ولكن المرور من حولها يثير فزع الرجال فما بالك بمن كان في عمري، كان الوصول للسوق ولقاء الخال هو المتعة التي تعوض عن فقدان البحر طوال الاسبوع وقد حدث أكثر من مرة حينما اتوجه صباحاً عند الثامنة أو حولها من أيام الجمع أن صادف وجود رحلة بحرية للأجانب يقوم بتنظيمها مكتب الجلاهمة في المحرق، نساء ورجال غالبيتهم من البريطانيين يبحرون في السفينة خلال النهار، للصيد والغوص باستخدام “سلندرات” الأوكسجين بمنطقة تدعى بالمركب الطبعان وهو المكان الذي يشكل وقتها قبل تطور الدفان وإنشاء الجسر والميناء الذي كان يعتبر بعيداً عن اليابسة، كانت تلك فرصة لي للعودة للبحر ولو بشكل ترفي لكنه شكل لي مصدر للحصول بعض السلع والمواد الغريبة مما يتركه هؤلاء السياح من علب بودرة العصائر الشبيهة اليوم بعصير “تنغ” ومشويات الدجاج وغيرها من المأكولات والأطعمة الجاهزة في ذلك الوقت التي تعرفت عليها للمرة الأولى في حياتي حينذاك ولم تكن معروفة وقتها للعامة وربما حتى للخاصة، أنا أتحدث عن فترة الستينات من القرن الماضي، ولدى عودتي للحي كنت اتولى استعراض تلك المواد من الأطعمة والأغذية أمام أصدقاء الحي وكنت اتباهى أمامهم.

لم أنقطع عن البحر حتى خلال الأيام العادية التي كنا فيها خلال موسم الدفء نخرج للبحر أوقات الجزر ونتجه لوسط البحر عند الحد الفاصل بين اليابسة والمياه الضحلة حيث تكشف السرطانات عن نفسها لتتنفس كما قيل لنا فنقوم باصطيادها أما قنصاً في ظهورها بالحراب أو نقوم باصطيادها حية بواسطة عصي نطاردها بأن نضع العصا على ظهورها ونضغط  للأسفل ثم نمسكها من خلف وأسفل ظهرها ونضعها في علب كبيرة كنا نحملها، غير ان تلك العلاقة مع البحر في الحي لا ترقى لمستوى العلاقة مع الخال في السفينة وقد بدأ لي الأمر بعد فترة مملاً لأنه خلى من المغامرة والجسارة، هذا البحر حملني معه منذ تلك الأوقات التي أعتبرها من أسعد الفترات في حياتي برغم ما رافقها من الفقر والعوز والعزلة التي فرضتها على نفسي بسبب ما كنت افتقده من مصروف يومي أو حتى مشاركة اصدقاء الحي بتبادل الزيارات في منازلنا لكوني لا احظى وقتها بالكهرباء، في وقت كان فيه البعض يمتلكون جهاز التلفزيون الذي تبث عليه برامج شركة البترول في السعودية “ارامكو” من افلام ومسلسلات بالأبيض والأسود طبعاً، هاجسي بالبحر والصيد والأمواج والفشوت اغفل عيني عن تلك الادوات الجديدة والأجهزة التي عرفتها لأول مرة في منازل اصدقائي من الجيران إلى أن حدث مرة وشاهدت راديو ترانزستور مع أحد السياح البريطانيين في رحلة من رحلات البحر فعلق في ذهني من يومها ولم يفارق المنظر رأسي إلى أن جاء يوم وتمكنت من شرائه فكانت لحظة تاريخية في حياتي تركت بصماتها لسنين طويلة إذ ظل الترانزستور برفقتي طوال سنوات طفولتي ومراهقتي وشبابي، فمنذ اول جهاز ترانزستور حتى آخر واحد امتدت رحلة طويلة عمرها سنوات كان هذا الجهاز مصدر متعتي وثقافتي ولم يوازيه سوى البحر.